رأي

مصر تاريخ طويل من التآمر علي القارة الافريقية

عبد الرحمن ابورندة ... بنسلفانيا

 

د.عبدالرحمن ابورندة … بنسلفانيا 

في قلب العلاقات الأفريقية الراهنة، تظهر مصر كدولة أفريقية جغرافياً، لكنها في الممارسة السياسية تتصرف أحياناً كقوة تتجاوز حدود الشراكة الطبيعية، لتصبح عنصراً مؤثراً في مسار الأحداث داخل السودان ودول الجوار. على مدار العقود الماضية، برزت القاهرة كلاعب رئيسي في المنطقة، غير أن أسلوب تدخلها لم يكن دائماً في إطار التعاون المشترك أو احترام السيادة الوطنية، بل غالبًا بما يخدم أجنداتها السياسية والاقتصادية والأمنية الخاصة.

لقد نجحت مصر في اختراق مؤسسات عسكرية وسياسية سودانية، مستغلة مواقع حساسة في الجيش والقيادات السياسية والمدنية لتوجيه مسار الأحداث لصالح مصالحها، أحيانًا بالتنسيق مع قوى إقليمية وغربية. هذا النفوذ لم يقتصر على التحكم في بعض القرارات العسكرية أو السياسية، بل انعكس على ملفات اقتصادية واستراتيجية حيوية، مثل المياه والأراضي، ما جعل السودان يواجه أزمات مركبة ومعقدة، وعرقل فرصه في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.

ملف المياه، على وجه الخصوص، يعد مثالاً واضحاً على سياسات الهيمنة المصرية. فقد فرضت القاهرة على دول المنابع، ومنها السودان، اتفاقيات مجحفة تمثل قيوداً على الحقوق الطبيعية في استغلال النيل، وهي اتفاقيات لا تراعى فيها العدالة ولا التوازن بين الدول المتشاطئة. هذا التحكم المائي لم يكن مجرد قضية إدارة موارد، بل أصبح أداة ضغط سياسية واستراتيجية لتقوية نفوذ مصر على حساب سيادة الشعوب الأفريقية، ولإبقاء دول المنابع في موقع التبعية والضعف أمام إرادتها.

الأمر نفسه ينطبق على الأراضي السودانية المحتلة، مثل حلايب وشلاتين وأبو رماد، التي تمثل أمثلة حية على السلوك التوسعي المصري. هذه الأراضي لم تعد مجرد مساحات جغرافية، بل أصبحت رموزاً للصراع المستمر على السيادة الوطنية، ومرآة للتحديات التي يواجهها السودان في حماية حدوده واستقلاله.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت القاهرة أدواراً غير مباشرة في تفكيك وحدة بعض الدول الأفريقية، مستغلة الاضطرابات الداخلية وصراعات السلطة لتعزيز نفوذها الإقليمي. من دعم حركات مسلحة في شرق أفريقيا إلى التلاعب بالتحولات السياسية في السودان وجنوب السودان، فقد نجحت مصر أحياناً في تحويل الأزمات الإقليمية إلى أدوات ضغط واستثمار لمصالحها الاستراتيجية، ما يضعف من قدرة القارة على الوحدة والتكامل.

إن هذه الحقائق التاريخية والسياسية تجعل من الواضح أن السودان، وجنوب القارة الأفريقية على حد سواء، مطالبون بوعي أكبر بما يجري من حولهم. الطريق نحو الاستقرار والتحرر الحقيقي لا يمر عبر بوابات القاهرة، بل عبر بناء مؤسسات وطنية قوية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول الأفريقية، واستعادة السيطرة على الموارد الاستراتيجية بشكل عادل ومتوازن.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يتعين على الشعوب الأفريقية أن تُدرك أن طريق التنمية والحرية لا يمكن أن يكون مفتوحاً أمامها إلا عبر تعزيز السيادة المشتركة، وحماية الحقوق الوطنية، ورفض أي تدخل خارجي يستهدف استغلال الموارد والأزمات لتحقيق مصالح محددة على حساب الأمة الأفريقية بأسرها.

السودان، بموارده وموقعه الاستراتيجي، يحتاج إلى قيادة واعية وجماهير متحضرة، تستطيع التعاطي مع الضغوط الإقليمية بوعي تاريخي وسياسي، لضمان أن تكون مصلحة البلاد أولوية، وأن تبقى الوحدة الوطنية والدفاع عن السيادة أساس العلاقات مع جميع الجيران، بما في ذلك مصر، على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

إن المستقبل الأفريقي لن يتحقق إلا حين تُبنى العلاقات بين الدول على أسس العدالة، وليس على الابتزاز أو النفوذ الاستعماري المتخفي، وحين تصبح السيادة الوطنية لكل دولة ركيزة لا يمكن التنازل عنها. وفي هذا السياق، يظل السودان مثالاً حياً على التحدي الكبير الذي يواجه القارة في بناء مستقبل مستقل ومستقر، بعيداً عن سياسات النفوذ الخارجية التي تقوض الأمل والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!