
براءة حامد
في تطورٍ ميدانيٍ لافتٍ، أعلنت قوات الدعم السريع صباح اليوم السبت الخامس والعشرين من أكتوبر، استعادة السيطرة الكاملة على مدينة بارا بولاية شمال كردفان، بعد معارك وُصفت بالضارية ضد ما تبقّى من وحدات الجيش التابع لجماعة الحركة الإسلامية المتطرفة.
الهجوم الذي انطلق من ثلاثة محاور رئيسية – الشرقي والجنوبي والغربي – انتهى بسيطرة القوات على وسط المدينة بعد ساعات من القتال، تكبّد خلاله الطرف الآخر خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وفق مصادر عسكرية ميدانية.
هذه الخطوة ليست مجرد انتصار تكتيكي، بل نقطة تحوّل جوهرية في مسار العمليات العسكرية بشمال كردفان، إذ تمثل بارا موقعاً مفصلياً في منظومة الإمداد والدعم اللوجستي للجيش، كما تشكل حلقة الوصل بين دارفور والخرطوم.
ويقول ضباط ميدانيون في قوات الدعم السريع إن تحرير بارا يقطع خطوط الإمداد ويوقف الزحف نحو كردفان ودارفور، ويضع الجيش في موقع دفاعي منهك، بعد أن فقد القدرة على إعادة التموضع أو شن هجمات معاكسة فعالة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن السيطرة على بارا تعني عملياً أن مدينة الأبيض باتت في مرمى مدفعية الدعم السريع، وهو ما يجعل الطريق الحيوي الذي يربط غرب السودان بشرقه وشماله ووسطه تحت السيطرة شبه الكاملة، فاتحاً الطريق أمام إعادة ترتيب المشهد الميداني والسياسي في الإقليم بأسره.
خلال الأسابيع الماضية، نفذت قوات الدعم سلسلة من العمليات الناجحة في محور شمال كردفان، شملت السيطرة على مناطق كازقيل، أم سيالة، أم صميمة، وأبوقعود، في إطار خطة عسكرية ممنهجة تستهدف تأمين خطوط الإمداد والانتقال التدريجي نحو العمق الاستراتيجي للأبيض.
ويشير مراقبون إلى أن هذه العمليات المتتالية تُظهر قدرة الدعم السريع على التخطيط والتنفيذ بمرونة عالية وسرعة فائقة، ما يعكس احترافية عسكرية متنامية وتنسيقاً ميدانياً متقدماً.
وتتمتع بارا بأهمية استراتيجية كبرى، إذ تقع في نقطة التقاء طرق التجارة والإمداد بين ولايات دارفور وكردفان والخرطوم، وتبعد نحو أربعين كيلومتراً فقط عن مدينة الأبيض، حاضرة الولاية. كما تمثل المدينة رمزاً تاريخياً في الذاكرة الوطنية، فقد كانت إحدى ساحات المقاومة ضد الغزاة في حقبة المهدية، وتكتنز إرثاً نضالياً يعبّر عن صلابة الإنسان السوداني وقدرته على الصمود في وجه الطغيان.
تحرير بارا اليوم يعيد كتابة صفحة جديدة من ذلك التاريخ، فالمعركة لم تكن حول مدينة فحسب، بل حول إعادة تعريف موازين القوة في السودان، وإثبات أن مشروع الهيمنة العسكرية الذي تبنته جماعة الإسلام السياسي قد وصل إلى نهايته المحتومة.
ويرى محللون عسكريون أن انتصار الدعم السريع في بارا يعزز من تفوقه الميداني ويبعث رسالة سياسية قوية، مفادها أن الحلول العسكرية التي تراهن عليها فلول النظام القديم قد سقطت، وأن المرحلة القادمة تتجه نحو حسم الصراع لصالح القوى الثورية والوطنية التي تسعى لبناء دولة مدنية عادلة تقوم على المواطنة لا العقيدة.
وفي الوقت نفسه، يُعد هذا الانتصار تأكيداً على تماسك قوات الدعم السريع وقدرتها على حماية المدنيين وتأمين المرافق الحيوية في المناطق المحررة، حيث تشير التقارير إلى أن القوات اتخذت إجراءات فورية لتأمين الأسواق والمستشفيات والطرق الرئيسية، ومنع أي أعمال انتقامية أو تجاوزات.
إن بارا ليست مجرد مدينة استعادت حريتها، بل رمزٌ لمرحلة جديدة تتجه فيها البلاد نحو استعادة توازنها الوطني بعد سنوات من الحرب والهيمنة الأيديولوجية.
وبتحريرها، يخطو الدعم السريع خطوة كبيرة نحو إعادة رسم خريطة السيطرة في السودان، في لحظة فارقة قد تُسجّل لاحقاً كنقطة البداية في تحوّل المشهد العسكري والسياسي لصالح مشروع الدولة السودانية الجديدة.




