رأي

التناغم في الاختلاف.. رؤية نقدية في الوعي الوطني السوداني

عبدالرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن رندة… بنسلفانيا 

من السهل أن نردد اليوم أن “الوطن أكبر من القبيلة والجهة”، وأن “السودان وطن للجميع”، لكن من الصعب أن نغض الطرف عن سؤالٍ أكثر عمقاً: أي وطن هذا الذي نتحدث عنه؟ أهو السودان الذي عاشته الشعوب السودانية فعلاً، أم السودان الذي تخيله الخطاب النخبوي في المركز لعقود طويلة؟

الحقيقة المؤلمة أن السودان، منذ فجر استقلاله، لم يعرف عقداً اجتماعياً عادلاً يجمع أبناءه على قاعدة المساواة والمواطنة. فقد حكمت البلاد قلة نخبوية ضيقة، ورثت دولة استعمارية مختلة البنية، واستفردت بالسلطة والثروة، بينما تُركت الأطراف لمصيرها بين الإهمال والحرب والفقر. فصار الوطن في المخيلة المركزية شعاراً جميلاً يخفي وراءه واقعاً مشوهاً من التفاوت الطبقي والتمييز الجهوي والغبن التاريخي.

حين يتحدث بعض المثقفين عن الوطن بوصفه كياناً واحداً منذ الأزل، فإنهم يتجاهلون أن هذا “الوطن” لم يكن يوماً متكافئاً في الحقوق والواجبات. فالدولة لم تتعامل مع كل شعوبها على أساس المواطنة، بل على أساس الولاء والقرابة والموقع من السلطة. وما يُسمى “الهوامش” لم تكن على هامش الجغرافيا، بل على هامش العدالة والاهتمام والاحترام. لذلك فإن الدعوة إلى “وحدة وطنية” دون الاعتراف بجذور التهميش ليست سوى إعادة إنتاج للإنكار نفسه الذي فاقم الأزمة لعقود.

لكن رغم هذه الحقائق القاسية، يظل الأمل ممكناً إذا ما بدأنا من الاعتراف لا من التزييف. إن التنوع في السودان ليس لعنة كما تصورته العقلية المركزية، بل هو مورد إنساني وثقافي يمكن أن يشكل أساساً جديداً لوطن يتسع للجميع. التناغم في الاختلاف لا يعني إذابة الفوارق أو إنكارها، بل يعني تحويلها إلى قوة خلاقة تساهم في بناء مشروع وطني جديد، يستمد شرعيته من العدالة لا من الهيمنة، ومن التعدد لا من الإقصاء.

وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام والمثقفين والفنانين لا في ترديد الشعارات الباهتة عن “الوطن الجامع”، بل في تفكيك الأساطير القديمة التي جعلت بعض المناطق أكثر “وطنية” من غيرها، وبعض البشر أكثر “سودانية” من سواهم. فالكلمة التي تكشف الحقيقة أهم من الخطاب الذي يجمّل الزيف، والنغمة التي تداوي جرحاً أصدق من الأغنية التي تخفيه.

لن يكون السودان وطناً بحق إلا حين يشعر الجميع أنهم شركاء في ثروته وقراره ومستقبله. الوطن لا يُبنى بالوعظ العاطفي، بل بالعدالة، والمساواة، والمساءلة. وعندها فقط يمكن أن نقول بثقة إن الوطن أصبح فعلاً أكبر من القبيلة، وأوسع من الجهة، وأسمى من اللون. لأن السودان العادل وحده هو السودان الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!