رأي

السلطان أحمد دينار.. صوت الوحدة في زمن الانقسام

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

في خضمّ الضجيج الذي أحدثته الحرب، وسط غبار الانقسام والتشظي، يخرج صوت السلطان أحمد دينار نقيًّا كنبعٍ قديمٍ في أرضٍ عطشى، يدعو إلى الوحدة، وينذر من الفتنة، ويذكّر الناس بأن دارفور كانت – وما زالت – بيت الجميع، ومهد التسامح، وموئل الكرامة السودانية.

خطابه الأخير لم يكن بيانًا سياسيًا بقدر ما كان مرآةً تعكس روح القائد الذي يعرف وزن الكلمات حين تُقال، ويدرك أن المجد لا يُبنى على أنقاض الكراهية، بل على أساسٍ من العدالة والرحمة. تحدّث السلطان بلسان الأجداد وبعقل الحاضر، فاستحضر إرث السلطان علي دينار، وامتداد دولة الفور التي ظلّت لقرونٍ نموذجًا في التعايش وحفظ الحقوق، قبل أن تغتالها البنادق وتجزئها الحدود الاستعمارية.

إن في صوته شيئًا من صبر التاريخ، وحنوّ الأم على أبنائها، وهو يقول لأهل دارفور: “لن تُبنى الفاشر إلا بوحدتكم، ولن تزدهر دارفور إلا بتصافي قلوبكم.” تلك العبارة وحدها تختصر فلسفة القيادة التي يؤمن بها السلطان أحمد دينار: القيادة التي تُداوي ولا تُؤذي، وتُوحّد ولا تُفرّق، وتضع الإنسان قبل الأرض، والحق قبل القوة.

لم يكن غريبًا أن يجد خطابه صدًى واسعًا بين مختلف المكوّنات، لأنه لم يتحدث بلغة السياسة الضيقة، بل بلغة الوطن التي تفهمها القلوب قبل العقول. فهو يدرك أن دارفور ليست جغرافيا فقط، بل فكرةٌ كبرى عن الحرية والكرامة والعدل، وأن إعادة إعمارها تبدأ من إصلاح النفوس قبل الأبنية.

لقد حمل السلطان أحمد دينار على عاتقه مهمةً شاقة: أن يُعيد إلى الناس ثقتهم بأن الدولة يمكن أن تكون عادلة، وأن التاريخ لا يُستعاد إلا حين نتعلّم منه. ومن هنا جاءت إشادته بالقيم التي أسّسها أسلافه في السلطنة القديمة؛ قيمٌ تقوم على المشاركة لا الإقصاء، وعلى العدالة لا الغلبة، وعلى احترام التنوع لا محوه.

في زمنٍ تتنازع فيه الأصوات وتضيع فيه البوصلة، بقي السلطان أحمد دينار ثابتًا على مبدأٍ واحد: أن دارفور لا تُنقذها البنادق، بل الكلمة الصادقة، وأن السودان لا يقوم إلا بالوحدة والإنصاف. ولعلّ أعظم ما يميّز خطابه أنه يُعيد للقيادة معناها الأخلاقي، ويُذكّرنا بأن السلطة الحقيقية هي تلك التي تُنصت إلى وجدان الناس، وتعمل لخدمتهم، لا لتفرقتهم.

ذلك هو السلطان الذي ورث من سلاطين الفور الحكمة، ومن التاريخ بصيرته، ومن الشعب محبّته، ليصبح اليوم صوت الوحدة في زمنٍ عطشٍ للسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!