دارفور بين الأمس واليوم.. السلطان أحمد دينار واستعادة روح الدولة العادلة
عبدالرحمن أبو رندة... بنسلفانيا

عبدالرحمن أبو رندة… بنسلفانيا
حين يطلّ السلطان أحمد دينار بخطابٍ يفيض حكمةً ووطنية، لا يتحدث بلسان اللحظة فقط، بل بلسان التاريخ كله. فهو حفيد سلاطينٍ حملوا راية العدالة والسيادة في دارفور لقرون، وأسسوا دولةً لم تكن مجرد سلطة محلية، بل نموذجًا متقدمًا للحكم الراشد في إفريقيا قبل أن تعرف القارة معنى الدولة الحديثة.
إن سلطنة دارفور التي أرسى قواعدها السلطان سليمان صولون عام 1603م، ثم مجدها السلطان علي دينار في مطلع القرن العشرين، كانت دولةً تُحكم بالشريعة، تُنصف المظلوم، وتحتضن التنوع. تلك الدولة قاومت الغزاة، ورفضت التبعية، وظلت مستقلةً حتى لحظة سقوطها عام 1916 على يد الاستعمار البريطاني – المصري. واليوم، وبعد أكثر من قرن، يعود السلطان أحمد دينار ليُعيد إلى الأذهان صورة الحاكم الذي يجمع بين العزم والرحمة، وبين الانتماء للتاريخ والانفتاح على المستقبل.
خطابه الأخير لم يكن مجرد تهنئة بالنصر العسكري في الفاشر، بل كان وثيقة سياسية وفكرية ترسم ملامح دولةٍ جديدةٍ في دارفور. ففي زمنٍ انقسم فيه الناس بين مؤيدٍ ومتحارب، جاء صوته متزنًا، يذكّر بأن الأرض لا تُحرر إلا إذا تحرر الإنسان من الخوف والفتنة. دعا إلى التعايش، وإلى طي صفحة الألم، وفتح أخرى عنوانها البناء، وهي ذات الروح التي حكم بها أجداده السلطنة قبل مئات السنين.
السلطان أحمد دينار لا يستمد شرعيته من نسبه فقط، بل من خطابه المتصالح مع قيم العدالة والتاريخ. فهو يدرك أن دارفور التي قاومت بالأمس، لا يمكن أن تنهض اليوم إلا بالوعي والوحدة، وأن النصر الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بتثبيت دعائم السلم الأهلي وإعادة الثقة بين مكوّنات المجتمع.
إن ما قاله السلطان لم يكن حديث عاطفة، بل خطة متكاملة لاستعادة التوازن في إقليمٍ أنهكته الحرب. فهو دعا لعودة النازحين، وإحياء المؤسسات، ورفع صوت العقل فوق صوت الغضب، وهي دعوة لا تُبنى على السياسة وحدها، بل على إدراكٍ عميقٍ بأن دارفور ما زالت تحمل في روحها مشروع الدولة العادلة الذي أراد له الأسلاف أن يكون باقياً.
وهكذا، فإن السلطان أحمد دينار اليوم لا يُعيد أمجاد سلطنة دارفور فحسب، بل يُعيد تعريف معنى القيادة الوطنية في زمنٍ غابت فيه البوصلة. إنه يذكّر الجميع أن التاريخ ليس حكايةً تُروى، بل مسؤوليةٌ تُحمل، وأن إرث السلطنة ما زال حياً في ضمير الأمة، يمدها بالحكمة والقوة لتبني مستقبلها بثقةٍ ووحدةٍ وعدل.




