
المحامي إسماعيل رحمة خبير المحكمة الجنائية الدولية
هذه الحرب لم تنفجر من فراغ، ولم تُولد من رحم الصدفة، بل كانت النتيجة الحتمية لسنوات طويلة من السياسات العنصرية والاستبدادية التي مارستها مؤسسات الدولة، وساهمت في تكريس التمييز الجهوي والاجتماعي حتى غدت البلاد سجناً كبيراً تُدار فيه الفوارق والامتيازات على أسس الانتماء، لا على مبدأ المواطنة.
منذ البداية، قلنا إن هذه ليست حرباً سياسية فحسب، بل حربٌ عنصرية اجتماعية جهوية، موجهة ضد المجتمعات الممتدة في غرب السودان وضد كل من يحمل صوتاً مختلفاً عن المركز وهيمنته. لقد دفعت هذه المكونات البشرية ثمناً باهظاً من دمائها وأرواحها، بينما ظلّت الأبواق الرسمية تُبرر وتُزيّن وتُعيد إنتاج خطاب الكراهية وكأنها لا ترى ما يجري من مآسٍ وفواجع في أطراف الوطن.
نحن من ذقنا مرارة الفقد، نحن من ودّعنا خيرة الشباب والقيادات والرجال، ونحن من حملت نساؤنا الحزن في صدورهن كما تحمل الأمهات نعوش الأمل. أما أولئك الذين يذرفون اليوم دموعاً مصطنعة على الخراب، فما زالت الحرب لم تطرق أبوابهم في الشمال، ولم تقترب من حواضنهم التي ظلّت تبارك القتل وتصفّق للطغيان ما دام بعيداً عنهم.
لكن التاريخ لا يرحم، والعدالة لا تعرف الكيل بمكيالين. فكما تجرّعت مجتمعات الهامش كأس الحزن والفقد، سيأتي اليوم الذي يتذوق فيه الجميع ذات المرارة، لأن لا إنسان أفضل من إنسان، ولا دم أقدس من دم. تلك هي الحقيقة التي حاولت الدولة المركزية طمسها لعقود، لكنها اليوم تعود صارخة وسط الدمار والدماء.
وأي حديث عن “الله قال” أو “الدين قال” أو “الإنسانية قالت” لا مكان له الآن إلا بعد أن نعود جميعاً لصوت العقل والضمير. فالدين لا يُستدعى لتبرير الجريمة، ولا تُستخدم القيم الإنسانية كزينة لوجهٍ قبيحٍ من الاستبداد والعنصرية. إنما يُستدعى الدين حين تكون النفوس قد طهرت، والضمائر قد أفاقت، والعقول قد أنصفت.
لن تنتهي هذه الحرب إلا عندما يواجه الجميع الحقيقة كما هي، لا كما يريدونها أن تكون. وعندما نقف جميعاً — ضحايا وجناة — أمام عدالة حقيقية، وطنية كانت أم انتقالية أم دولية، تُقرّ بالمظالم وتضع نهاية لعصور الكراهية. عندها فقط يمكن أن تبدأ رحلة الخلاص، لا بالحقد، بل بالإنصاف والمساواة، في وطنٍ يتسع للجميع دون استعلاء أو تمييز.




