رأي

مؤتمر برلين وسؤال الحقيقة الغائب.. من أشعل حرب السودان؟

يعقوب التجاني إبراهيم  المحامي والمستشار القانوني

 

يعقوب التجاني إبراهيم  المحامي والمستشار القانوني

 

حين تُناقش النتائج ويُترك السبب بلا مساءلة، يتعثر طريق السلام

تتوالى المؤتمرات الدولية والإقليمية في محاولة لاحتواء النزاع السوداني المستمر منذ سنوات، وكان أحدثها مؤتمر برلين، الذي عُقد وسط آمال واسعة بأن يشكل محطة جادة نحو إنهاء الحرب ووضع أسس سلام مستدام. غير أن المؤتمر، رغم زخمه السياسي والدبلوماسي، بدا وكأنه تجاوز السؤال الأكثر جوهرية في الأزمة السودانية: من الذي أشعل الحرب؟

ذلك السؤال لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يمثل المدخل الحقيقي لأي معالجة عادلة وفعالة. فالقفز مباشرة إلى مناقشة النتائج الإنسانية والاقتصادية، من نزوح ولجوء وانهيار مؤسساتي، دون تحديد المسؤولية السياسية والقانونية عن اندلاع النزاع، يعني الاكتفاء بمعالجة الأعراض وترك المرض قائماً.

لقد انشغل مؤتمر برلين بقضايا مهمة مثل المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار وتسهيل وصول الإغاثة، وهي ملفات لا خلاف حول ضرورتها، لكنها تظل حلولاً جزئية ومؤقتة إذا لم تُربط بمساءلة الطرف الذي تسبب في إشعال الحرب واستمرارها. فالتجارب الدولية تؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من العدالة، وأن إنهاء النزاعات يتطلب تسمية المسؤولين عنها ومحاسبتهم.

دروس من تجارب العالم

شهد العالم نماذج عديدة أكدت أن مواجهة الحقيقة كانت الخطوة الأولى نحو التعافي الوطني. ففي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، جرى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي حاكمت مسؤولين كباراً عن الجرائم، وأسهمت في ترسيخ العدالة وتهيئة مناخ المصالحة الوطنية.

وفي يوغسلافيا السابقة، لعبت المحكمة الجنائية الدولية دوراً محورياً في ملاحقة قادة متهمين بجرائم حرب وإبادة، ما ساعد على تفكيك منظومات العنف وفتح الطريق أمام الاستقرار.

أما في كينيا، فقد مثلت التحقيقات الدولية بعد أحداث العنف الانتخابي عام 2007 رسالة مهمة بأن التحريض على العنف السياسي لا يمكن أن يمر بلا مساءلة، حتى وإن واجهت العملية تحديات وتعقيدات سياسية.

وفي السودان نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السابقين على خلفية جرائم دارفور، في اعتراف دولي واضح بضرورة محاسبة من ارتكبوا الانتهاكات، رغم أن العدالة لم تكتمل حتى اليوم.

خطورة تجاهل المسؤولية

إن إغفال تحديد المسؤول عن إشعال الحرب لا يؤدي فقط إلى تعطيل العدالة، بل يهدد بإعادة إنتاج النزاع في المستقبل. فحين يشعر المتسببون في الحروب أنهم بمنأى عن المحاسبة، يصبح العنف خياراً قابلاً للتكرار.

كما أن العدالة الانتقالية، وهي أساس أي تسوية سياسية مستقرة، لا يمكن أن تقوم على التسويات الغامضة أو المساواة بين الضحية والجاني، بل على كشف الحقيقة، وإنصاف المتضررين، ومحاسبة من تسببوا في المأساة.

مسؤولية المجتمع الدولي

المطلوب من المجتمع الدولي اليوم ألا يكتفي بإدارة الأزمة السودانية عبر المؤتمرات والبيانات، بل أن يتعامل معها بقدر أكبر من الجدية والوضوح. فالسودان لا يحتاج فقط إلى هدنة مؤقتة، بل إلى معالجة جذرية تبدأ بتحديد المسؤوليات السياسية والقانونية عن اندلاع الحرب واستمرارها.

إن أي مؤتمر يتجنب هذا السؤال المحوري سيظل مجرد محاولة لتسكين الألم، لا لعلاج أسبابه.

خاتمة: لا سلام بلا حقيقة

إن السلام المستدام لا يُبنى على الصمت، ولا على تجاهل أصل الأزمة. وإذا أراد العالم مساعدة السودان بصدق، فعليه أن يبدأ من البداية، من السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه:

من الذي أشعل الحرب؟

فالإجابة على هذا السؤال ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أولياً للعدالة، ومدخلاً لا غنى عنه لبناء سلام حقيقي ودولة مستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!