
سمية النور دهب
كيف يمكن لوطن أن يزدهر بالعدالة والمساواة بينما يرفع أبناءه أسماء جلّاده على جدرانه؟ هذا هو السؤال الذي يواجه السودان اليوم، بلدٌ ظلّت ذاكرته الوطنية مشوهة، حيث يتحوّل الاستغلال إلى بطولة، والظلم إلى إرث يُفاخر به.
منذ قرون، شكّل الرق والنخاسة قاعدةً اجتماعية وسياسية، جعلت أصحاب النفوذ يربطون هيبتهم بامتلاك البشر. اليوم، لا يزال بعض أحفاد هؤلاء الملاك يعيشون على إرث “البطولة المزيفة”، فالفخر بعدد المسترقين وامتلاكهم يُقدَّم على أنه مصدر شرف، بينما تُمحى ذاكرة الضحايا والمقاومين من صفحات التاريخ الرسمي.
التاريخ السوداني لم يُكتب بعدُ بصوت الضحايا؛ بل صاغته نخبة ورثت الامتيازات، وظلت تحمي مكانتها عبر الثقافة والسياسة والتعليم. الشوارع، الميادين، وحتى الكتب المدرسية تحمل شهادات صامتة على هذا الانحياز، وتحوّل الجلادين إلى أبطال، فيما يظل المهمشون صامتين أو مجهولين.
لكن العالم يقدم دروسًا واضحة: الأمم التي لم تواجه ماضيها تبقى رهينة تناقضاتها. جنوب إفريقيا بعد الأبارتهايد، ألمانيا بعد النازية، وحتى ثورة هايتي بقيادة توسان لوفرتور، كل هذه الأمثلة تثبت أن مواجهة الظلم التاريخي وإعادة الاعتبار للضحايا هي الطريق الوحيد لبناء وطن عادل.
في السودان، رفض النخبة العلمانية والمساواة ليس مجرد خلاف فكري، بل هو استمرار مباشر لمنطق أجدادهم: الدفاع عن الامتيازات والهيمنة، وتحويل العار إلى وسام. الاستمرار في هذه الممارسات يحاصر الوطن في دائرة من الانقسامات والتمييز، ويحول بناء دولة حديثة إلى حلم بعيد المنال.
التحرر الحقيقي يبدأ من مساءلة الذاكرة: الاعتراف بالضحايا، إعادة كتابة التاريخ من منظورهم، وإزالة رموز الجلادين من مسرح الحياة العامة. حينها فقط، يمكن للسودان أن يضع أسس وطن يقوم على المساواة والكرامة والعدالة، بدلًا من أن يكون مسرحًا لإعادة إنتاج الظلم والتمييز عبر الأجيال.




