
التنوير .. وكالات
ودّع السودان وجنوب السودان معًا أحد أبرز رجالات الفكر والسياسة والإعلام، برحيل العلامة والمفكر السياسي بونا ملوال، الذي ترجل عن صهوة الحياة بعد مسيرة امتدت لما يقارب قرنًا من الزمن، حمل خلالها هموم وطنٍ مقسومٍ بين حربٍ وسلام، وكتب سيرته بمدادٍ من وعيٍ ووجعٍ في آنٍ واحد.
وُلِد ملوال عام 1928 في ولاية واراب بجنوب السودان، في بيئةٍ مشبعةٍ بالتنوع والتحدي، فحمل منذ صغره شغف البحث عن الحقيقة. درس الصحافة والاقتصاد في الولايات المتحدة، ونال شهادات من جامعتي إنديانا وكولومبيا، حيث تفتّح وعيه السياسي على مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، ليعود بعدها إلى وطنه وفي جعبته مشروع وطني يسعى لأن يجمع ولا يفرّق.
بدأ مسيرته المهنية صحفيًا، فأسّس وأدار عدداً من الصحف التي شكلت صوت الجنوب في لحظات الصمت الطويل، من بينها “الحارس” و**”سودان تايمز”** و**”السودان ديموقراطيك جازيت”**، صحفٌ لم تكن مجرد أوراق تُطبع، بل منابر نضالٍ دافعت بشجاعة عن العدالة والمواطنة المتساوية، وواجهت سلطة المركز بجرأة الكلمة وقوة الفكرة.
في سبعينيات القرن الماضي، تقلد بونا ملوال منصب وزير الثقافة والإعلام في الحكومة السودانية، فحاول أن يجعل من الإعلام جسراً للتنوير لا أداةً للتسلط. ظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الحوار هو السبيل الأوحد لتجاوز الانقسامات العرقية والدينية التي أدمت جسد السودان الواحد.
وعقب توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، شغل منصب المستشار الرئاسي للرئيس عمر البشير، قبل أن يواصل دعمه لمسار الاستقلال في الجنوب حتى ميلاد دولة جنوب السودان عام 2011. ورغم الجدل الذي رافق بعض مواقفه، فإن صوته بقي شاهداً على صدق الانتماء لقضية الإنسان الجنوبي أولاً، والسوداني عموماً.
رحل بونا ملوال عن عمر ناهز السابعة والتسعين، بعد أن قضى حياته بين قاعات الفكر وصفحات الجرائد وممرات السياسة، تاركاً وراءه إرثاً ثقيلاً من الأسئلة والذكريات. كان من القلائل الذين جمعوا بين عمق الفكرة وتجربة المعاناة، وبين الحنين للوطن والرغبة في إعادة صياغته على أسس العدالة والكرامة.
برحيله، يغيب وجه من وجوه الوعي السوداني الجنوبي، وتُطوى صفحة رجلٍ ظلّ حتى آخر أيامه مؤمناً بأن الكلمة أقوى من البندقية، وأن الحقيقة، وإن طال غيابها، لا تموت.
عليه شآبيب الرحمة، ولروحه السلام.




