
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
“حين يختلط الدين بالسلطة، يتحول الإيمان إلى سلاح، والعبادة إلى مشروعٍ للهيمنة.”
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، لم يكن خافيًا أن التيار الإسلامي الذي خرج من عباءة المؤتمر الوطني ظل يتحرك في الظل، يراقب ويخطط ويغذي الصراع بما يخدم عودته إلى الحكم. فقد أدرك الإسلاميون، منذ سقوط نظامهم، أن استعادة السلطة لن تكون عبر صناديق الاقتراع أو الإجماع الوطني، بل عبر خلق بيئة فوضى تُمكِّنهم من العودة كمنقذين بعد أن يشعلوا النار في الهشيم.
لقد كان هدف هذا التيار واضحًا منذ البداية: إعادة هندسة المشهد السياسي بما يسمح بإعادة إنتاج مشروعهم القديم تحت غطاء جديد. لذلك لم يتعاملوا مع الحرب بوصفها أزمة طارئة، بل كفرصة تاريخية. استغلوا هشاشة المؤسسة العسكرية، وحالة الانقسام الاجتماعي، فحولوا الصراع من خلاف سياسي إلى حرب هوية، غذّوها بخطاب عنصري يمزق النسيج الوطني، ويضع غرب السودان في مواجهة ما يُسمى بالسودان النيلي. كانت تلك الاستراتيجية الأكثر خطورة، لأنها استخدمت الجغرافيا والعرق والدين كوقود لمعارك طويلة الأمد.
لم يكتفوا بتأجيج الصراع بين المركز والهامش، بل سعوا لتفتيت الهامش نفسه، عبر إشعال الخلافات بين مكونات دارفور وكردفان، بين العرب والزُرقة، والرعاة والمزارعين. هكذا ضمنوا أن تبقى النيران مشتعلة في الأطراف، وأن تتحول الأرض إلى ساحة صراع دائم تُستهلك فيها الطاقات وتُهدر الموارد، بينما يظل المركز القديم يستعد لاستعادة موقعه عبر رموزه وأذرعه.
اللافت أن الحرب تركزت في مناطق بعيدة عن العاصمة، وهو ما لم يكن صدفة. لقد أدرك الإسلاميون أن الخرطوم هي رمز السيادة، وأن إبعاد الحرب عنها يتيح لهم التحكم في خيوطها من بعيد. أرادوا حرب استنزاف تُرهق خصومهم، وتُضعف الحركات المسلحة، وتدفعها إلى البحث عن الدعم والتمويل في أحضان شبكاتهم القديمة. إنها حرب بالوكالة تُدار بعقل بارد وتُسوَّق بخطاب ديني حار.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الاستراتيجية تراهن على الزمن، إذ كلما طال أمد الحرب، ازداد إنهاك المجتمع وتراجع صوت الوعي. عندها يظهر الإسلاميون كبديل جاهز، يقدمون أنفسهم كقوة انضباط وتنظيم في وسط الفوضى التي صنعوها بأيديهم. إنها ذات اللعبة القديمة التي احترفوها منذ عهد النميري وحتى البشير، لكن بوجوه جديدة وشعارات مختلفة.
إن جوهر مأساة السودان اليوم لا يكمن فقط في الدمار المادي، بل في هذا التزييف الممنهج للوعي الذي يجعل الضحية تبرر لجلاّدها، والمجتمع يلهث خلف شعارات دينية مفرغة من مضمونها الوطني. ما يجري هو استخدام للإيمان كأداة حرب، وللمقدس كغطاء سياسي لتبرير الانتهاكات والتقسيمات.
“التاريخ لا يرحم من يجعل من الدين مطية، ولا من الوطن سلعة في مزاد السياسة.”
من هنا، فإن إدراك طبيعة هذا المشروع هو الخطوة الأولى لإفشاله. المطلوب ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل تفكيك البنية الأيديولوجية التي تبرر الحرب وتغذيها. فالإسلاميون يدركون أن أي سلام حقيقي يُنهي وجودهم، لأنهم وُجدوا من رحم الصراع ويعيشون على استدامته.
لقد آن للسودانيين أن يدركوا أن الحرب ليست قدرًا، بل فخًّا نُصب بعناية لإعادة إنتاج السلطة ذاتها التي لفظها الشعب ذات يوم بثورته. إن وعي الهامش بخطورة هذا المخطط، ووحدته في وجهه، هو الأمل الأخير في إنقاذ السودان من أن يتحول مرة أخرى إلى دولة تُدار باسم الله وتُنهب باسم الوطن.




