رأي

التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين وإعادة التموضع عبر حرب السودان وغرب أفريقيا

مها طبيق

 

مها طبيق 

تشهد الساحة السودانية اليوم واحدة من أكثر الحروب خطورة في تاريخ البلاد ولما لها من تداعيات عابرة للحدود ، حربا تتجاوز حدود السودان لتلامس خرائط الصراع الإقليمي والدولي . وفي قلب هذا المشهد ، يظهر التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية كأحد الفاعلين الخفيين الذين يسعون لاستثمار الفوضى السودانية ضمن استراتيجية أوسع لإعادة التموضع بعد انكسار مشروع الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وتصنيفه في أغلب الدول كجماعات إرهابية .

منذ سقوط نظام عمر البشير ، الذي كان يمثل الذراع التنفيذية للتنظيم في أفريقيا ، فقدت الجماعة حاضنتها الأساسية واضطرت إلى البحث عن فضاءات بديلة . السودان بالنسبة لهم بوابة جغرافية واستراتيجية نحو غرب أفريقيا ، حيث تعمل الجماعة على بناء شبكات نفوذ جديدة تمتد من دارفور حتى النيجر ومالي ونيجيريا .

استغل الإخوان الفراغ السياسي الذي أعقب ثورة ديسمبر ، فعادوا إلى تنشيط خلاياهم داخل المؤسسات المدنية والعسكرية عبر واجهات اقتصادية ودعوية وإعلامية . كما استخدموا المساجد والجمعيات الخيرية لإعادة إنتاج خطابهم الجهادي القديم القائم على استغلال الدين في الصراع السياسي . بموازاة ذلك ، انطلقت حملة إعلامية ضخمة تقودها منصات ممولة من تركيا وقطر ، لتصوير الحرب في السودان على أنها “حرب ضد الإسلام”، في محاولة لتعبئة المجتمعات واستقطاب الدعم الخارجي وتوثيق الارتباط العضوي بينها وبين الجماعات الجهادية على امتداد الإقليم .

هذه الاستراتيجية ليست جديدة ؛ فقد اتبعتها الجماعة ذاتها بعد سقوطها في مصر وتونس وليبيا . لكنها وجدت في السودان فرصة استثنائية لإحياء المشروع ، لأن البنية القبلية والاقتصادية الهشة تسمح بتعدد الولاءات وتوفر بيئة خصبة للتغلغل المالي والفكري والتمدد نحو الدول المجاورة حيث بنيتها الحدودية الهشة .

في موازاة تحركها داخل السودان ، كثّف التنظيم نشاطه في منطقة غرب أفريقيا والساحل ، عبر ما يسميه “التموضع البديل”. فالمنطقة تعاني فراغًا أمنيًا واسعًا بعد تراجع النفوذ الفرنسي وتزايد الانقلابات العسكرية ، مما فتح المجال أمام الجماعة لتتحرك بحرية تحت غطاء منظمات خيرية وتعليمية .

تُدار هذه الأنشطة غالبًا من خلال مؤسسات ممولة قطريًا وتركيًا مثل “تيكا” و“الهلال الأحمر القطري” و“جمعيات الإغاثة الإسلامية” ، التي تعمل ظاهريًا في التنمية والإغاثة ، لكنها فعليًا تؤسس لوجود أيديولوجي طويل المدى .

كما تنشط الجماعة في دعم أحزاب دينية محلية في السنغال ونيجيريا ، وتنسق مع جماعات متطرفة مثل بوكو حرام ونصرة الإسلام والمسلمين لتأمين الغطاء الميداني والسيطرة على الممرات الحدودية .

لا يمكن فصل الدور الإخواني في السودان عن تمدده غربًا . فدارفور وتشاد والنيجر تشكل ممرًا لوجستيًا مثاليًا لربط شرق القارة بغربها . ولهذا ، فإن استمرار الفوضى في السودان يخدم هدفًا إستراتيجيًا للتنظيم العالمي مع إبقاء خط الإمداد مفتوحًا بين قواعده القديمة في الشرق الأوسط ومناطق نفوذه الجديدة في الساحل الأفريقي .

إنّ التنظيم يسعى لتحويل السودان إلى مركز إدارة عمليات وتمويل لمشروعه العابر للحدود ، بحيث تصبح الحروب الداخلية غطاءً لنقل الأموال ، وتجنيد المقاتلين ، وتدوير الخطاب الأيديولوجي . فالنتيجة المباشرة لهذا النشاط هي تفكيك المجتمعات المحلية . فقد أعاد الإخوان إحياء الانقسامات القبلية والطائفية ، واستخدموا المساجد كمنصات تعبئة سياسية ، وأدخلوا الدين في الصراع الأهلي ، مما أدى إلى انهيار الثقة داخل المجتمع السوداني وخلق بيئة خصبة للعنف المتبادل .

وفي غرب أفريقيا ، يتكرر المشهد ذاته : تعليم ديني موجه ، جمعيات خيرية مؤدلجة، وشبكات اقتصادية تعمل خارج رقابة الدولة . وبذلك يتحول الإسلام السياسي إلى مشروع هيمنة ناعمة يزرع الولاءات العابرة للحدود بدلًا من الانتماء الوطني .

إن ما يجري في السودان وغرب أفريقيا هو إعادة انتشار إستراتيجي لتنظيم فقد شرعيته السياسية في العالم العربي ويحاول استنساخ نفسه في بيئات أفريقية هشة . فالتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين أدرك أن المواجهة العسكرية وحدها لا تُسقط مشروعه ، لذلك يعمل على بناء نفوذ ثقافي واقتصادي طويل الأمد، مستخدمًا التعليم والدين والعمل الإنساني كأدوات للتغلغل . ولمواجهة هذا الخطر ، تحتاج دول الإقليم إلى استراتيجية أمن فكري واقتصادي مشتركة ، تُعنى بتجفيف مصادر التمويل الخارجي ، ومراقبة الجمعيات العابرة للحدود ، وإطلاق مشروع وطني مدني يُعيد الثقة بين المجتمع والدولة .

فالسودان ، بما يمثله من موقع محوري، هو خط الدفاع الأول . فإذا فشل في تحصين نفسه من الإسلام السياسي ، ستتحول القارة إلى ساحة نفوذ مفتوحة لتنظيم يسعى لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية باسم الدين ، بينما هدفه الحقيقي هو السلطة والمال واستدامة الفوضى .

مها الهادي طبيق

3 نوفمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!