رأي

السودان بين الاستقرار والهيمنة: تحديات تفكيك النفوذ الإسلامي

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

في قلب الأزمة السودانية، يظل السؤال المركزي حول قدرة الدولة على استعادة سيادتها واستقرارها بعيدًا عن النفوذ العقائدي والسياسي للجماعات الإسلامية التي تمكّنت عبر عقود من السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية. لم يعد الأمر مجرد صراع مسلح أو أزمة إنسانية عابرة، بل تحول إلى معركة وجودية تحدد شكل السودان ومستقبل مؤسساته الوطنية.

تؤكد الرباعية الدولية، المكونة من الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تمر عبر استبعاد هذه الجماعات من مواقع القرار. فالموقف الدولي لم يعد محصورًا في دعم الانتقال المدني فقط، بل أصبح مرتبطًا بمفهوم أوسع لمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه السياسية والعسكرية. إذ يرى المراقبون أن استمرار وجود الإسلاميين في المشهد السياسي والعسكري يضمن استمرار الصراع ويعرقل أي إصلاح حقيقي، ويحوّل أي اتفاق إلى مجرد واجهة زائفة للشرعية.

النفوذ الإسلامي المتغلغل في الجيش والأجهزة الأمنية يمثل اليوم أكبر عائق أمام أي تقدم. المؤسسات التي من المفترض أن تكون أدوات لحماية الوطن، أصبحت أدوات لإدامة مشروع أيديولوجي يسعى لإعادة إنتاج نفوذه السياسي على حساب مصالح الدولة والشعب. وبذلك، فإن أي محاولة لإصلاح المؤسسات أو فرض اتفاق هدنة دون معالجة هذه السيطرة تظل مجرّد إجراءات شكلية لا تغير الواقع.

إلى جانب ذلك، تظهر الديناميكيات الإقليمية أن بعض الدول تجد في استمرار هذا النفوذ ضمانة لمصالحها في السودان، من خلال التأثير على الملفات الحساسة مثل المياه والموارد الطبيعية والتجارة الإقليمية. وهذا يعقد مهمة الانتقال الديمقراطي، إذ يضع السودان في مواجهة ضغوط خارجية تمثل تحديًا حقيقيًا للسيادة الوطنية.

وعلى المستوى المحلي، يلاحظ أن التيار الإسلامي المتجذر داخل الجيش والأجهزة الأمنية يقاوم أي مشروع للسلام أو التفاوض يخرجه من المشهد، إذ إن مصالحه تتقاطع مع استمرار الفوضى والحرب كوسيلة للحفاظ على السيطرة. وهذا الواقع يوضح أن الأزمة لا تتعلق فقط بالشخصيات أو الأطراف المتنازعة، بل بالهيكلية الكاملة التي تحكم الدولة، حيث تم تحويل المؤسسات إلى أدوات لإدامة النفوذ وإعادة إنتاج السلطة.

إن تحقيق السلام والاستقرار في السودان يتطلب خطوات جذرية، تبدأ بإعادة تشكيل المؤسسات الوطنية بحيث تصبح مستقلة وحيادية، وتضع مصلحة الوطن فوق أي أجندة حزبية أو عقائدية. ويعني ذلك إخراج الإسلاميين من مواقع القرار، ومحاسبة أي من يسعى لإعاقة بناء الدولة المدنية، وضمان أن تصبح الدولة آلية لحماية حقوق جميع المواطنين، لا منصة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي.

ويشير الواقع السياسي إلى أن أي تسوية أو هدنة يجب أن تكون مصحوبة بضمانات دولية وإقليمية لفرض الالتزام بالاتفاقات، ومتابعة أي انتهاكات، مع تمكين المجتمع المدني من الرقابة والمساءلة. فالسلام لن يتحقق بالوعود وحدها، بل بالخطوات العملية القادرة على منع العودة إلى نمط سيطرة الأحزاب والعقائد على الدولة ومؤسساتها.

في هذا السياق، يرى المحللون أن الخطر الأكبر على السودان ليس فقط الحرب الحالية أو التحديات الاقتصادية، بل استمرار وجود هيمنة أيديولوجية تجعل من أي إصلاح حقيقي أمرًا مستحيلاً. إذ بدون تفكيك النفوذ الإسلامي، ستظل الدولة السودانية عرضة للاستغلال، والمواطنون عرضة للحرمان من حقوقهم، وسيبقى الانتقال السياسي مجرد وهم، لا حقيقة ملموسة على الأرض.

السودان أمام مفترق حاسم: إما أن يستعيد سيادته واستقلال مؤسساته، أو أن يستمر في دورة الصراع والفوضى التي تضمن بقاء النفوذ القديم. والمجتمع الدولي، بدوره، بدأ يعيد ترتيب أولوياته، إذ أصبح واضحًا أن أي عملية سياسية لا تشمل تفكيك الهيمنة الإسلامية ستكون ناقصة ولن تحقق الاستقرار المرجو.

وفي هذا الإطار، تصبح مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية، محورًا للمعركة المقبلة، حيث يجب أن تتحول من أدوات للنفوذ والسيطرة إلى أدوات لحماية الشعب وسيادة الوطن. فالسلام الحقيقي يرتبط بإخراج كل الأجندات العقائدية والسياسية التي تعيق بناء الدولة المدنية، وتهيئة بيئة تضمن المشاركة الحقيقية لجميع السودانيين في رسم مستقبل بلادهم.

اليوم، يمكن القول إن السودان يمر بلحظة فاصلة: لحظة تحدد ما إذا كان الوطن سيخرج من أزمته عبر بناء دولة عادلة وقوية، أم سيظل أسير النفوذ القديم الذي أبقى الفوضى مستمرة لعقود. والنتيجة النهائية تعتمد على قدرة القوى الوطنية والدولية على فرض شروطها وتحقيق إصلاح حقيقي قادر على إزالة الهيمنة الإسلامية من صلب المؤسسات الوطنية.

السودان يحتاج إلى رؤية واضحة، انتقال سياسي حقيقي، ومؤسسات مستقلة، لضمان استعادة الدولة لسيادتها وحقوق مواطنيها. هذا المسار ليس سهلاً، لكنه الطريق الوحيد لإنهاء دورة الصراع والفوضى وإرساء دعائم دولة مدنية تحمي حقوق الجميع وتعيد بناء الوطن على أسس العدل والمساواة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!