
د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
في أطراف الخرطوم القديمة، تعيش أمٌّ ضريرة فقدت ثلاثةً من أبنائها في حروبٍ لا تعرف من أشعلها ولا لأي غايةٍ اشتعلت. اثنان منهم سقطا في دارفور، والثالث التحق بهما في حربٍ أخرى لم يكن يعلم أنها ستلتهم شبابه إلى الأبد. تجلس على حصيرٍ مهترئ أمام باب بيتٍ واهٍ، تردد أسماءهم في خشوعٍ كأنها تستدعيهم من الغياب. إلى جوارها زوجٌ أنهكته السنون، فقد سمعه وبصره تحت وطأة القصف، يعيش اليوم على رحمة الجيران والرفاق، يقتات من فتات العطف ويستظل بظل الذاكرة. تلك الأسرة المنسية تختصر مأساة وطنٍ كامل دفع أبناءه إلى أتون النار باسم الوطنية والدين، بينما بقيت الأيدي التي دفعتهم بعيدًا، في أمانٍ ورفاهية.
ليست هذه الحكاية استثناءً، بل صورة متكررة في كل بيتٍ سوداني عانى من نيران الحروب المتناسلة. أمّهاتٌ ينتظرن عودة أبناءٍ لن يعودوا، وآباءٌ انكسروا أمام الغياب، وأطفالٌ كبروا قبل أوانهم وسط صرخات الحزن. ما بين الحرب الأولى في الجنوب وحروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ظل الوطن ينزف بلا توقف، وتتعاقب الأجيال على المقصلة نفسها، يبتلعها الاستنفار تارةً، والشعار المقدّس تارةً أخرى.
إن دعوات التعبئة العامة والاستنفار الجماهيري التي تتكرر اليوم ليست سوى تكرارٍ لمأساةٍ قديمة بوجهٍ جديد. إنها الخمرة ذاتها التي سُقي منها الشباب بالأمس في ساحات الجنوب، فهلكوا، وها هي تُقدَّم من جديد على موائد الفقر واليأس. من يدعون إلى الحرب الآن لا يعيشون في الخنادق، ولا يودّعون أبناءهم إلى المجهول؛ أبناؤهم في الجامعات المترفة بتركيا وقطر وماليزيا، بينما أبناء الفقراء يُدفعون إلى خطوط النار تحت لافتةٍ براقة اسمها “الاستنفار”. إنهم يتحدثون عن التضحية والوطنية، لكنهم لا يضحّون بشيءٍ سوى بدماء الآخرين.
لقد جرب السودان كل صنوف الحروب، وذاق مراراتها حتى الثمالة. فما الذي جناه؟ وطنٌ مثقلٌ بالدموع، وبلادٌ أنهكها الفقر والفساد، ومدارس مغلقة، وملايين النازحين واللاجئين، وجيلٌ فقد الثقة في الغد. لم تثمر الحرب سوى المآسي، ولم تبنِ سوى المقابر. جفت المزارع، وهُجرت القرى، وغادرت الطيور سماءنا كما غادر الشباب أرضهم بحثًا عن أملٍ بعيد.
إن من يظن أن تعبئة الناس وتسليحهم هو طريق الخلاص لا يدرك أن الحرب تأكل أبناءها قبل أعدائها، وأن الوطن الذي يُدار بالسلاح لا يُبنى بل يُستنزف. السودان اليوم بحاجةٍ إلى استنفارٍ من نوعٍ آخر: استنفارٍ للوعي لا للسلاح، للعلم لا للرصاص، للعمل لا للموت. الموارد التي تُهدر في شراء البنادق والذخائر يمكن أن تبني جامعات ومستشفيات، وأن تفتح آفاقًا جديدة للحياة والكرامة.
الحرب ليست قدرًا محتومًا، بل خطيئةٌ يمكن التراجع عنها متى ما تحررت العقول من أوهام البطولة الزائفة. إن طريق السلام يبدأ من الاعتراف بأن الوطن لا يُصان بالدماء المسفوكة، بل بالعدالة والمواطنة المتساوية، وأن الأمن الحقيقي لا يصنعه الرصاص، بل يصنعه التعليم والتنمية وفرص العيش الكريم. السلام ليس وثيقة تُوقّع في عاصمةٍ بعيدة، بل إحساسٌ بالأمان داخل البيت والشارع والمدرسة، حين تشعر الأم أن أبناءها لن يُنتزعوا منها باسم “النفير” أو “الاستنفار”، وأن مستقبلهم لن يُقايض في سوق السياسة.
تلك الأم الكفيفة التي فقدت أبناءها الثلاثة تمثل آلاف الأمهات في الفاشر ونيالا والدمازين وكادوقلي والخرطوم، يصرخن بصمتٍ واحد: كفى حربًا، كفى دمًا، كفى أكاذيب. إن حزنها ينبغي أن يكون صرخةً توقظ الضمائر، لا قصةً تُروى ثم تُنسى. يجب أن تتحول دموعها إلى نداءٍ لبناء وطنٍ جديد لا تُقرع فيه طبول الحرب، بل تُقرع فيه أجراس المدارس، وطنٍ لا يُستنفَر فيه الناس إلى القتال، بل إلى البناء والإعمار.
فلنرفض أن نكون وقودًا في معارك غيرنا، ولنقلها بصوتٍ واحد: بعيدًا عن الاستنفار… قريبًا من السلام. فبالسلام وحده يمكن أن تُشفى جراح الأمهات، ويستعيد الوطن عافيته، وتسير بلادنا في طريقٍ جديدٍ نحو المستقبل، طريقٍ يزدهر بالعلم والمعرفة والرفاهية، حيث تُفتح نوافذ الحياة لا أبواب الموت، ويعلو صوت الإنسان فوق صوت البندقية.




