القضايا العادلة لا تهزمها انكسارات الجبناء: السودان بين دروس التاريخ ورهانات الحاضر
د. فاطمة الزين الغالي - كليفورنيا

د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
في مسار الشعوب، لا تُقاس القضايا العادلة بحجم ما تتعرض له من انكسارات عابرة، بل بقدرتها العميقة على الصمود وإعادة إنتاج ذاتها في وجه العواصف. فالحق، في جوهره، قوة تراكمية لا تُهزم، وإن تعرضت لوابل من المؤامرات أو الإغراء. ومن ثمّ، فإن انكسارات الجبناء امثال النو القبة وموسى هلال لا تنال من عدالة القضايا، بقدر ما تكشف هشاشة أصحابها، وتُعرّي حدود التزامهم.
ولعلّ في قضية السودان، وبخاصة قضايا الهامش، ما يقدّم مثالًا صارخًا على هذه الحقيقة التاريخية. فهي ليست وليدة ظرف طارئ، ولا صدى لصراع عابر، بل تعبير عميق عن اختلالات بنيوية متجذّرة في بنية الدولة، وعن تهميش ممتدّ طال أقاليم بأكملها. ولهذا، فإن هذه القضية، بما تحمله من مضامين العدالة والإنصاف، تظلّ عصيّة على الهزيمة، مهما تكالبت عليها القوى، أو تعددت محاولات إجهاضها.
إن التجربة التاريخية لجنوب السودان تقدّم درسًا بليغًا في هذا السياق. فقد واجهت الحركة الشعبية هناك تحديات مركّبة، لم تكن أقلّ قسوة مما يواجهه الهامش السوداني اليوم. فعلى الصعيد الداخلي، عصفت بها انقسامات حادّة، وتمردات قادها رياك مشار والدكتور لام أكول، تغذّت من صراعات السلطة والتباينات القبلية، ووجدت دعمًا من أجهزة استخبارات حكومة الشمال آنذاك. كما أُنشئت مليشيات مضادة، قادها كاربينو كوانين، وأرك طون، والجنرال بيتر قديت، في محاولة لإضعاف المشروع الجنوبي من داخله وتقويض تماسكه.
أما على الصعيد الخارجي، فقد وُضعت الحركة الشعبية في مواجهة طوق إقليمي ودولي معادٍ، ساند حكومة الشمال سياسيًا وعسكريًا، وضاعف من كلفة الصمود. ومع ذلك، لم تُفضِ هذه التحديات، على شدتها، إلى هزيمة القضية، بل أسهمت—على نحو مفارق—في صقلها وتعميق جذورها، حتى انتهت إلى تحقيق هدفها التاريخي بانفصال جنوب السودان، بوصفه تتويجًا لمسار طويل من النضال.
ومن هذا المنظور، تبدو الرهانات المخلة على إضعاف قضية الهامش السوداني عبر تغذية الانشقاقات، رهانات قاصرة في قراءتها للتاريخ ومآلاته. فالذين يظنون أن بروز شخصيات مثل موسى هلال أو النور القبة، وما قد يرافق ذلك من تباينات داخلية، كفيلٌ بإجهاض القضية، إنما يكررون ذات الوهم الذي لازم تجارب سابقة. إذ لا تعدو هذه الانشقاقات، في أحسن توصيف لها، أن تكون ارتدادات طبيعية لمسارات معقّدة، لا تلغي جوهر الصراع ولا تُنهي أسبابه.
بل إن التاريخ يُثبت أن مثل هذه الانكسارات كثيرًا ما تتحول إلى وقود إضافي يُغذّي جذوة القضايا العادلة، ويمنحها قدرة أكبر على الاستمرار. فكل انشقاق يكشف الحاجة إلى مراجعة، وكل تراجع يفتح أفقًا لإعادة التشكل، في دورة مستمرة من التفاعل بين الفكرة وحامليها. وهكذا، لا تنطفئ القضايا العادلة بانكسار بعض أبنائها، بل تزداد لمعانًا كلما انكشف زيف من تخلّى عنها.
إن قضية الهامش السوداني، بما تختزنه من مطالب مشروعة، لا تقف عند حدود الأشخاص أو التنظيمات، بل تتجاوزهم إلى فضاء أوسع من الوعي الجمعي والإرادة التاريخية. ولذلك، فإن مستقبلها لا يُختزل في مواقف هذا القائد أو ذاك، ولا في تماسك فصيل بعينه، بل في قدرتها على التعبير عن تطلعات قطاعات واسعة من الشعب، وعلى الاستمرار كفكرة حيّة تتجدّد باستمرار.
وفي المحصلة، فإن الدرس الأبلغ الذي يقدّمه التاريخ هو أن القضايا العادلة لا تُهزم، لأنها ببساطة تستمدّ قوتها من عدالتها ذاتها. أما انكسارات الجبناء، مهما بدت مؤلمة، فهي لحظات عابرة في مسار أطول، لا تلبث أن تتحول إلى علامات على الطريق، تُذكّر بأن الطريق إلى النصر ليس مستقيمًا، بل مليء بالتعرجات التي لا تزيده إلا رسوخًا.




