
دكتور أحمد الضي عبدالله
مارست الرباعية الدولية جهوداً جبارة لإحياء مساعي السلام وإنهاء الحروب الداخلية الطاحنة في السودان، والتي وصفت بأنها من أسوأ الصراعات المسلحة في العالم. وقد تم ذلك من خلال الوسيط الأمريكي وفريق الشرق الأوسط، الذي سعى لتحقيق اختراق نوعي من خلال الاتفاق على خطة تهدف إلى فض النزاعات بما يتماشى مع رؤية النظام العالمي الجديد الذي قسم العالم إلى ثلاث كتل استراتيجية محورية: كتلة بحر قزوين حيث الصراع الأوكراني، وكتلة الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية، وكتلة القرن الأفريقي التي يعتبر السودان دولة محورية فيها.
يتمثل جوهر الحل السوداني في معالجة جذور الأزمة وإنتاج حلول ناجعة تضمن إرساء السلام الشامل والمستدام، بحيث يمكن أن تكون هذه الحلول قاعدة للخروج من مأزق البلاد الطاحن. إن معالجة المشكلات لا يمكن أن تقتصر على تسوية مؤقتة أو خطوات سطحية، بل يجب أن ترتكز على أسس وطنية قوية وشاملة تراعي حقوق جميع مكونات المجتمع السوداني.
أهم هذه الحلول يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً، تبني النظام الفيدرالي كأساس للحكم والحقوق والمواطنة، بحيث يراعي توزيع السلطات حسب نسبة السكان، ويمنح كل إقليم الحق في إدارة شؤونه الداخلية ضمن إطار الدولة الموحدة.
ثانياً، اعتماد العلمانية كأساس للحريات المدنية، بما يضمن المساواة بين المواطنين ويحد من الاحتكار السياسي أو الديني للسلطة، ويخلق بيئة سياسية عادلة وحيادية.
ثالثاً، تبني نظرية العقد الاجتماعي الثلاثي التراكيب، التي تمكّن من وضع أسس متينة للحقوق والواجبات، وتحدد العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس شفافة وواضحة، وتخلق ضوابط تمنع استفراد أي جهة بالقرار السياسي.
رابعاً، إدارة التنوع السكاني بصورة إيجابية، وصهر كل المكونات في بوتقة الانصهار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والأمني، بحيث تكون الدولة على مسافة واحدة من الجميع، ويختفي الإقصاء والتهميش الذي أضر باستقرار البلاد على مدار العقود الماضية.
خامساً، توفير الأمن للمواطنين وحماية الوطن، مع تأكيد أن الجيش يجب أن يبقى في الثكنات، ويكون دوره حماية السيادة الوطنية وليس التدخل في السياسة أو الشؤون المدنية.
سادساً، توفير القضاء العادل والنزيه والمستقل، لضمان محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا، وبناء ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ما يسهم بشكل مباشر في تحقيق السلام والاستقرار.
سابعاً، تبني مفهوم التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، عبر إقامة مشاريع حيوية مثل حصاد المياه والآبار الارتوازية، بما يتوافق مع إمكانيات وموارد كل إقليم، إلى جانب بناء بنية تحتية متكاملة للاقتصاد والتكنولوجيا والاتصالات.
ثامناً، مشاركة الشباب الكفء والمؤهل بكفاءاته المهنية والسياسية في مفاصل الدولة، لإحداث تجدد في الفكر والقيادة، وضمان انتقال سلس للسلطة والأفكار البناءة.
تاسعاً، إجراء مصالحات قبلية بين مكونات أهل السودان كافة، لخلق مناخ من الثقة المتبادلة والانسجام الوطني، وإرساء قواعد التعاون والعدالة بين جميع المجتمعات.
إن تسوية سياسية شاملة بهذا المعنى تحفظ للشعب السوداني المغلوب على أمره حقوق المواطنة وتضمن المشاركة الحقيقية في الحكم، حيث يعتبر النظام الفيدرالي مقترناً بالعلمانية ونظرية العقد الاجتماعي الثلاثي التراكيب الضامن الوحيد لحل مشكلة السودان وإنهاء الحروب الطاحنة والعبثية بصفة نهائية، وإرساء دولة مدنية متماسكة تستعيد فيها البلاد مكانتها على الصعيد الإقليمي والدولي.
٥ نوفمبر ٢٠٢٥م




