في رثاء الوالدة رحمة الله عليها.. عبدالجليل الباشا يكتب :

قال تعالى: (وَإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).
أمي، يا روحًا طاهرةً تَهيم حولي، ويا حضنًا دافئًا كم شكوت إليه همّي.
كُتب علينا كبشر أن نمشي خطواتٍ في دروب الحياة، طالت أم قصرت، فنحن بالطبع لا نزرع الشوك في هذه الدروب، ولكن القدر يُنبتها كما يُنبت الزهر. ولا نملك كأحياء إلا أن نخوض الطريق بأشواكه وأزهاره؛ فيُدمي الشوك أقدامنا، وتَنأى الزهور عن أيدينا، وتصبح لَسعة الشوك حقيقةً، ونفحة الزهر وهمًا كالسراب. ومع ذلك، فإن مكابدة الحياة لا تتوقف إلا بنهاية العمر، فالموت مصير محتوم لكل البشر (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ).
لكن النفس البشرية يصعب عليها التعايش مع هذه الحقيقة، فهي تشعر بالحزن والأسى والألم حينما نفقد شخصًا عزيزًا ترك بصماته في حياتنا. رحلوا عنا بأجسادهم ولم يرحلوا من قلوبنا. ولذلك جاءت البُشرى من السماء للذين يصبرون على المصيبة (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
في يوم السبت الموافق 1 نوفمبر 2025م، رحلت عن دنيانا الفانية بمدينة الأبيض الوالدة الحنون ذات القلب الأبيض الذي لم تدنسه قساوة الحرب ولا مرارة الحياة، الحاجة حارنه محمد أحمد عمر، عن عمر بلغ 85 عامًا. كانت أمًّا لسبعة أولاد وخمس بنات، تُوفي منهم اثنان، والبقية على قيد الحياة. ومن حيث الترتيب فأنا الابن الرابع، أي سبقني إلى الدنيا ولدان وبنت.
لقد كانت الوالدة عطوفة، مجتهدة، مثابرة وصابرة، سهرت الليالي والأيام من أجل أن توفّر لنا كل ما يجعلنا نشعر بالسعادة والأمان. ربّتْنا أفضل تربية، وغرست فينا كل القيم السودانية الأصيلة من شجاعة وكرم ومروءة، وإغاثة الملهوف ومخافة الله. كانت لنا السند المعنوي والمادي في كل المحن والأحن.
أذكر عندما رفضتُ المدرسة وأنا صغير – وكان رفضًا نفسيًا لأنني افتقدتُ حميمية الأسرة ودفئها – سألتني عن السبب فقلتُ: إن الطعام في الداخلية قليل وسيئ. فأقنعتني بالرجوع، وجهزت لي زوادة عبارة عن كِسرة مطحونة بالسمسم والسكر، وظلت على هذا الحال حتى أكملت المرحلة الثانوية. والحقيقة أن الفضل في مواصلة تعليمي بعد الله يعود لها.
لقد شكّلت الوالدة مدرسة اجتماعية متفردة؛ كان بيتها مفتوحًا للأهل والجيران وطلاب المدارس، ولا أذكر أنها أعدّت وجبة دون أن توزّع منها على الجيران، حتى قال عنها الشاعر (الهدّاي): (أم شلوخا ستة، البيت العامر هي ستة، محظوظ البلقى ليه فوقا حتة). كانت دومًا تحثنا على صلة الأرحام وتفقّد الجيران ومساعدتهم في الأفراح والأتراح. وفوق ذلك كانت أنصارية صادقة ومخلصة، ورثت الأنصارية من أبيها – جدي – الذي لم يفارق الراتب جيبه في حلّه وترحاله. كنت أحرص على مجالسته حين يحكي لنا عن بطولات الأنصار ومعارك المهدية والمصاعب التي واجهوها إبان الكَسرة بعد كرري، خصوصًا عند عبور النيل في منطقة الشلك.

لن أوفّي الوالدة حقها حتى لو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا، ولكني سأكتفي بثلاث محطاتٍ خالدةٍ في الذاكرة.
المحطة الأولى:
نشأنا في بيئةٍ كان فيها التعدد في الزوجات هو الأصل، بينما الاكتفاء بواحدة هو الاستثناء. ذات يوم سألت والدي – عليه الرحمة والمغفرة –: كل أشقائك تزوّجوا مثنى وثلاث ورباع، فلماذا اكتفيتَ بوالدتنا فقط؟ فقال لي لسببين: الأول أن أمك ما قصّرت في حقي وحقكم، والثاني أن الأبناء من زوجاتٍ متعددات غالبًا ما يكون بينهم الحقد والضغائن، وأنا أريد أن تكون العلاقة بين أبنائي مبنية على المحنة والتماسك والتعاون. تلك كانت شهادة الوالد في حقها.
المحطة الثانية:
في بداية التسعينات خرجتُ من مدينة كادوقلي متوجهًا نحو النهود، وكان الأمن يبحث عني، فاستدعوا الوالدة وسألوها عني، فقالت لهم: إنه سافر. لكن تم اعتقالي في مخرج المدينة، وعندما جِيء بي إلى مكاتبهم استُدعيت مرة أخرى، فقال لها مدير الأمن: ألم تقولي إن ولدك سافر؟ فقالت بلهجة صارمة: سافر، ولو ما سافر سوف أقول لك سافر، لأني أم، وسأحمي ولدي بأي كيفية. فقال لها: وكيف تحمينه الآن؟ فقالت: سأجلس في الأرض وأسأل الله أن يفك أسره، هل عندك رأي في قدرة الله؟ فنظر إليها متعجبًا وقال: كلنا عندنا أمهات، ولو ما قلتي الكلام دا، ما تكوني أم. كانت شجاعة، صادقة، لا تخشى في الحق لومة لائم.
في الحقيقة، حُكم علينا بالإعدام بعد اعتقال دام أكثر من خمسة أشهر، ولكن بفضل دعواتها ما زلنا على قيد الحياة. وفي عام 2007م تم اعتقالي بسجن كوبر مع مجموعة من الضباط والقيادات السياسية بتهمة ملفقة بمحاولة انقلاب. بعد ثلاثة أشهر سافر وكيل نيابة أمن الدولة إلى كادوقلي وحاصروا المنزل. سألوها عن سبب الحصار فقالوا: جئنا نفتش عن سلاح الانقلاب! فلبست ثوبها وذهبت إلى قائدهم وقالت له: يا ولدي، شغلتك دي نِيّة؟ قال: كيف يا حاجة؟ قالت: انقلاب في الخرطوم وسلاحه في كادوقلي؟ قال: عندنا معلومات. فقالت له: أنا ما عندي شغلة بمعلوماتك، لكن ولدي البعرفو لو عايز يعمل حاجة زي دي، ما بجيب سلاح البيت. البيت قدامك، فتش زي ما عايز، لمن تنتهي من شغلتك يا أنا بقيت كذابة يا إنتو كذابين. وبالفعل لم يجدوا حتى مسدسًا واحدًا في البيت.
المحطة الثالثة:
قبل أسبوع من وفاتها اتصلت بها أسألها عن حالها وصحتها، وإن كانت بحاجة إلى شيء. كانت صامتة، ثم قالت أول كلمة: أريد أن أراك. فاتصلت بها بالفيديو، فلما رأتني ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت لي: (الحدك) – بضم الحاء – انت ما قصّرت معاي في شيء، وأنا عافية ليك دنيا وآخرة. وكان (الحدك) الاسم الذي كانت تناديني به منذ أن كنت طفلًا رضيعًا حتى فارقت الحياة، وهو مأخوذ من الأكل الحادق ذو الطعم المميز.
ختامًا، أود أن أزجي خالص الشكر والتقدير لكل الأحباب والحبيبات، وقيادات القوى السياسية والمدنية، والأهل والأصدقاء والمعارف الذين واسونا في هذا المصاب الأليم، سواء بالحضور أو بالاتصال أو بالرسائل أو بالدعاء في ظهر الغيب. لقد كانت لمواساتهم بالغ الأثر في التخفيف من هذا الحزن الكبير.
نسأل الله أن لا يريهم مكروهًا في عزيزٍ لديهم، وأن يغفر للوالدة ويرحمها، ويجعل قبرها روضةً من رياض الجنة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




