رأي

أنا في مرآة الآخر_ من تجارب الحياة  

خالد فضل

 

خالد فضل 

تقول حكمة بعض أهل السودان (العارف عزّو مستريح) وهي حكمة تدل على الإعتداد بالنفس, والتصالح مع ما هي عليه . وهي حالة إيجابية على كل حال . لكن الحياة لا أعمرها أنا وحدي ؛ ذاك المعتد بنفسه , بل أتشاركها مع آخر . فكيف أقدم له نفسي , وهل في حسباني أنّ ذاك الشعور بالثقة في النفس والإعتداد بعزتها هو كذلك عند الآخر أم أنّ تلك الميزة خاصة بي ولا يجوز للآخر أبدا أن يكون عارفا لعزه وإليه مستريح ؟ هنا تكمن المفارقة .

هل من مقتضيات معرفتي بعزتي واستراحتي إليها ألا أقبل أبدا أي أطروحة أخرى مقابلة لما تنطوي عليه معطياتي للشعور بتلك العزة . بمعنى آخر ما أراه هو الصواب المطلق وما عند الآخر هو الخطأ المطلق . عزة نفسي تقتضي مباشرة ذلة الآخر ؟ من نحو عام ونصف أمضيت ساعات في إحدى الليالي أتناقش مع شاب حدث من أفراد عائلتي الممتدة , موضوع الحرب والسلام هو السائد بالطبع , كان أثناء الحوار يدلي بملاحظاته ورأيه , وفي كل مرّة يوافقني الرأي , حتى أعيانا السهر وقررنا النوم , ختم بعبارة : يا أستاذ والله كل ما تفضلت به منطقي جدا وموضوعي وصواب لكنني لن أتخلى عن رأي المقابل لما تقول . ابتسمت إبتسامة فاترة , وسحبت الغطاء على جسدي المرهق , وغفوت قليلا ريثما أغادر في الفجر إلى وجهتي فقد كنت على سفر . أ هو تلك المعرفة بعزة النفس تمنع صاحبها من العودة إلى الصواب . أ يستريح بعضنا في الخطأ . مرّة أخرى , من أيام , وتدور بيني وبين بعض الجيران في المنفى الإجباري الذي نحن فيه نقاشات حول الشأن العام والحرب في السودان , قرر أحدهم أنّه لا يوجد حكماء في السودان الآن , آخرهم كان المرحوم السيد الصادق المهدي . قلت إنّ معيار الحكمة نسبي , وفي كل حقبة يكون هناك حكماء , فالحكماء الذين عاشوا في القرن التاسع عشر غير من عاشوا فيما تلاه من قرون وهكذا تستمر الحياة , أتصور اليوم أنّ د. عبدالله حمدوك من حكماء السودان . انبرى لي أحدهم مباشرة , لا لا أنا لا أحب هذا الرجل أبدا لذلك لا أعتبره كما قلت . سألته عن معنى الحكمة التي بموجبها يصنف ذاك ويبعد هذا ؟ أجابني دون تردد بأنها ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها . قلت له أنت لم تعرّف الحكمة بعد , ولذلك لم تتح لنفسك كمؤمن أن تأخذها من حيث وجدتها . فإذا كانت الحكمة تعني سعة البصيرة بحيث يستشرف الحكيم عواقب الأمور ويشير إلى دروب السلامة لمجتمعه وللأفراد , فإنّ د. حمدوك مثلا قدّم ورقة نشرت على نطاق واسع عن الفرص والتحديات التي تواجه الانتقال المدني الديمقراطي , وأشار فيها بوضوح إلى الشق العسكري وتعدد الجيوش وضرورة اصلاح المنظومة العسكرية وتوحيدها . أ ليست تلك من علامات استشراف المستقبل والتنبيه له ؟ قال الشيخ الستيني , نعم كل ذلك صحيح وراجح لكنني لا أحب حمدوك . وافترقنا في ذلك المساء وفي خاطري يدور السؤال , هل من معرفة عزة النفس هذا التناقض الصريح !!

يبدو لي ذلك القول عن الاستراحة في العز الذي أعرفه بنفسي من الحكم المخاتلة , صحيح لا أحد يعرف خبايا ما تطويه النفنس غير صاحبها والله علّام الغيوب . وفي بعض لحظات الاختبار يبدو ما كان خافيا , وفي رواية السيد المسيح عند القرار برجم الزانية _كما في شريعة موسى _ عليهما السلام , من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر فأجفل الجميع . لكل خطيئته التي لا يعلمها الآخرون . ولأنه وحده يعرفها فلم يجازف بالنفاق في موقف تطلب الصدق مع النفس . ثم إذكر أنّ صدبقا لي روى أنّ أهل قريته من نواحي كردفان ابتدروا بناء مسجد , تنادوا عند وضع حجر الاساس ووضعوا شرطا لمن يضع فيه الطوبة الأولى , ألا يكون قد زنا في حياته أبدا وقد تجاوز سن الأربعين . أجفل الرجال بمن فيهم شيوخ كبار , غير واحد صدف أنه جد محدثي لأحد والديه فرمى أول الأحجار . شيوخ القرية تلك صدقوا مع أنفسهم وعرفوا عزّها فعلا في لحظة اختبار , كما انكشفوا كلهم أمام بعضهم بعضا فهل تراهم وعوا معنى الإعتداد بالنفس الذي كانوا إليه يسترحون .

تلك تأملات فقط في منحى حياتنا كبشر على هذه الأرض المسماة بالوطن السوداني , ليس مطلوبا منا كأفراد وجماعات التخلي عن عزّة النفس , فقط لنتذكّر أنّ الآخر أيضا عزيز النفس . فهل تنهض حياتنا على الإعتراف بالعزة المتبادلة أم نظل أسرى الأوهام الذاتية عن أنفسنا تلك لحظات اختبار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!