رأي

الجيش السوداني تحت وصاية القاهرة: سيادة مهدورة وأمة في قبضة المصالح المصرية

 

نجم الدين دريسة

في قلب الأزمة السودانية، يظهر المشهد العسكري والسياسي على حقيقته المؤلمة: الجيش السوداني أصبح مرتهنًا للسياسة المصرية، ومتأثرًا بجماعات الهوس الديني داخليًا، ما جعله بعيدًا عن إرادة الشعب، ومصدرًا رئيسيًا لعرقلة أي جهود نحو الاستقرار الوطني.

هذه المرتهنية ليست افتراضًا، بل واقع ملموس يمكن ملاحظته في كل مفاصل الدولة، من التخطيط العسكري إلى التوازنات السياسية. مصر، التي لطالما اعتبرت السودان منطقة نفوذ استراتيجية، لم تتردد في توظيف الجيش كأداة لضمان مصالحها في المياه والموارد الطبيعية، بما في ذلك مياه النيل والثروات المعدنية والزراعية.

الواقع يشير إلى أن الجيش، رغم تاريخه العريق، فقد استقلال القرار السياسي والعسكري، وأصبح رهينًا لتوجيهات خارجية، ما جعل أي محاولة لإعادة الاستقرار في البلاد صعبة للغاية. وكما أقول: “لا وطن بلا سيادة، ولا سلام بلا قرار حر”. هذا القول يلخص جوهر الأزمة؛ فحين تُسيطر القوى الخارجية على الجيش، يصبح كل حديث عن دولة قوية أو سلام مستدام مجرد أوهام.

الضغوط المصرية واضحة في كل المناورات السياسية والميدانية. فالقاهرة، ومن خلال دعمها العسكري واللوجستي والاستخباري، تتدخل بشكل مباشر في قرارات الجيش، بما في ذلك العمليات العسكرية، والتحركات على الأرض، واستخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال التأثير الداخلي لجماعات الهوس الديني، التي استغلت الفراغ السياسي بعد الانقلابات المتتالية لتفرض أجندتها على الجيش والمجتمع المدني، ما جعل القرار الوطني تحت ضغط مزدوج.

نتيجة هذا المزج الخطير بين التبعية الخارجية والتأثير الداخلي هو أزمة متراكمة على كل المستويات: العسكرية، والسياسية، والإنسانية. المدنيون أصبحوا ضحايا هذا الوضع، حيث تُنفذ العمليات العسكرية أحيانًا ضد مجتمعات بعينها، ويُعطل أي مسار نحو السلام أو إعادة الاستقرار.

وكما أقول: “من يربط نفسه بالآخرين يفقد طريقه إلى الاستقلال”. هذا القول يعكس بالضبط وضع الجيش السوداني اليوم، الذي أصبح قراره السياسي والعسكري مقيدًا، وأي محاولة لإصلاح الأوضاع أو إعادة الأمن والاستقرار تواجه عراقيل كبيرة، خاصة مع استمرار التدخل المصري السافر.

التحليل السياسي يشير إلى أن أي خطوات لإعادة بناء الدولة يجب أن تبدأ باستعادة الجيش لسيادته الوطنية، وقطع أي وصاية خارجية، وإعادة ترتيب القوى الداخلية بما يعكس مصالح الشعب السوداني أولًا. إن استعادة القرار الوطني العسكري هي الخطوة الأولى نحو إنهاء الفوضى، وضمان ألا تكون السيادة السودانية رهينة لمصالح دولية أو أجندات خارجية.

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي بلد يعيش تحت ضغط مستمر، حيث تصبح كل مبادرة إصلاحية أو محاولة للسلام محفوفة بالمخاطر، وبدون ضمانات كافية لنجاح أي اتفاقيات هدنة أو حوار وطني. سيادة الجيش ليست حرة، بل مرتهنة لمصالح خارجية، ومقيدة بتدخلات داخلية، وهذا ما يجعل تحقيق الاستقرار الوطني بعيد المنال.

إن الأزمة السودانية الحالية تعطي درسًا واضحًا: لا يمكن لأي شعب أن يحقق السلام أو التنمية إذا كانت مؤسسته العسكرية الأساسية مرتهنة لأجندات خارجية. استعادة القرار الوطني هي المفتاح لإعادة بناء الدولة، وضمان أن تكون السيادة السودانية أولوية لا مساومة فيها، سواء من داخل السودان أو خارجه.

فإذا أراد السودان الخروج من هذه الدوامة، يجب أولًا تحرير الجيش من أي وصاية خارجية، وقطع التدخلات التي تقيد قراره، والعمل على بناء قوة وطنية مستقلة تعكس مصالح الشعب وليس مصالح الدول المجاورة. سيادة السودان وكرامته الوطنية هي الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه إذا أراد السودان أن يبقى دولة حرة ذات سيادة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!