رأي

الكيزان… كائنات غريبة بيننا والحرب ملعبهم السياسي

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبد الله الراشدي 

في كل حرب، تظهر أصناف من البشر تتباين بين من يسعى للسلام ومن يغترف في الدماء. وفي السودان اليوم، يبدو أن الكيزان هم مثال حي على الكائنات التي اختارت الحرب كأداة للسلطة، غير مكترثة بمعاناة شعب بأكمله. تصريح القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول الحاج آدم يوسف الأخير، حين أعلن أنهم “ضد وقف إطلاق النار، وضد الهدنة، وضد إيقاف الحرب، ولسنا ملزمين برأي البرهان حتى لو وافق”، يؤكد حقيقتين صارختين: الأولى أن الكيزان هم من أشعلوا الحرب، والثانية أنهم يسعون للعودة إلى السلطة على جماجم وأشلاء ودماء السودانيين.

كما أن الموقف يطرح سؤال الأديب الكبير الدكتور الطيب صالح الذي قال ذات مرة: “من هؤلاء؟ ومن أين أتوا؟”، وهو سؤال يكتسب اليوم صدى مضاعف بعد مشاهدة مثل هذه التصريحات، التي تبدو وكأنها تصدر عن كائنات سياسية غريبة عن المجتمع السوداني، لا تعي معنى الحرب ولا مسؤوليتها.

وفي التاريخ، قالت الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت: “شرّ الناس يكمن غالبًا في السعي لتحقيق السلطة على حساب الآخرين.”، وهذه المقولة تنطبق حرفيًا على هذا التيار السياسي، الذي يرى في استمرار الدماء مجرد فرصة لإعادة الزمن السياسي الأسود.

الحرب بالنسبة للكيزان ليست مأساة إنسانية، بل مشروع سياسي، ودماء السودانيين مجرد أدوات في حساباتهم الباردة. وكأن العبارة الشهيرة للفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: “الحرية لا يمكن أن تعيش حيث لا يُقدَّر الإنسان” لم تُكتب إلا لتوضيح الفرق بين الشعب السوداني الذي يسعى للسلام، وبين من يعتبر الحرب لعبة للترقي السياسي.

تاريخيًا، أعادت الحرب تعريف السلطة بالنسبة لهم: استمرار الدمار فخر، ووقف القتال خطأ، ودماء المدنيين مجرد أرقام يمكن تجاهلها. هذا الوضع يطرح سؤالاً أكبر: هل يمكن لعقل سياسي أن يختار الدماء وسيلة للسلطة؟ يبدو أن الكيزان يجيبون بنعم.

وفي ضوء ذلك، يصبح واضحًا أن السودان بحاجة إلى وعي جماعي، وإلى فصل السلطة عن الموت والدماء، كما قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون: “المجتمع الذي لا يقدر الحياة لن يقدر الحرية.”، وما يفعله الكيزان اليوم يثبت أن لديهم القدرة على تعطيل هذا القانون الطبيعي: تعطيل الحياة من أجل السلطة.

إنها كارثة مزدوجة: شعب يعاني وحكام غريبون يعيشون بيننا بلا إحساس، والدماء تحولت إلى ملعبهم السياسي. والدرس هنا، كما قالت الأديبة الأمريكية توني موريسون: “الشر لا يحتاج إلى خطة معقدة، يكفيه أن يعيش بين الناس.”، وهنا تكمن المأساة الحقيقية: الحرب ليست فقط على الأرض، بل في وعي من يمكنهم تحويل السلطة إلى آلة للدماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!