رأي

حين ينام الوعي وتستيقظ الفتنة… السودان بين عاطفة السياسة وعجز العقل

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

“الجهل لا يصنع الطغاة، بل الخوف من المعرفة.” – فولتير

ليست أزمتنا في السودان أزمة سلطة ولا صراع جغرافيا، بل هي أزمة وعي غائر الجذور، يتوارى خلف مظاهر التعليم والحداثة، لكنه ما زال أسير الانفعال والعاطفة.

بلدٌ يُعدّ من أوائل الدول التي عرفت التعليم النظامي والنشاط النقابي، ومع ذلك لم يثمر هذا الإرث وعياً نقدياً أو ثقافة سياسية ناضجة.

النتيجة أن التعليم سبق الوعي، والتجارب سبقت الفهم، فصار السودان يعيش تراكم التجارب دون أن ينتج منها درسًا واحدًا.

“حين يغيب الوعي، يتحول الشعب إلى جيشٍ من المصفقين.” – علي شريعتي

لقد ظلّ المواطن السوداني أسير ردود الفعل لا التحليل، يندفع بالعاطفة لا بالعقل، ويستبدل التفكير بالتبرير.

فحين ينهار كل شيء، يسارع إلى تعليق الأسباب على الخارج: مصر، الإمارات، الغرب، الجوار الإفريقي…

لكن الحقيقة المؤلمة أن منفذ الخراب يسكن في الداخل، في ذهنيةٍ لم تتعلم أن تسائل نفسها،

وفي نخبةٍ مثقفة تمارس الخداع على نفسها قبل أن تخدع الآخرين.

النخبة التي كان يُفترض أن تكون طليعة الوعي تحوّلت إلى جزءٍ من المشكلة.

تتحدث بلغة الحداثة، لكنها تفكر بعقلية الغنيمة.

تلعن الاستبداد، وهي تمارسه في أحزابها ومؤسساتها.

تُدين الحرب، لكنها تغذيها بالتحريض والكراهية، وتقدّس الزعيم الذي يقودها إلى الهاوية.

ولذلك، صار من الضروري — والموجع في آن — أن نعيد تعليم المتعلمين، أي نعيد بناء أدوات التفكير ذاتها قبل بناء المناهج.

“ليست المشكلة في أن الناس لا يعرفون، بل في أنهم يظنون أنهم يعرفون.” – برنارد شو

المتعلم في السودان كثيرًا ما يبدو أكثر انفعالًا من الجاهل،

وأكثر تعلقًا بالرموز القديمة من الذين لم يدخلوا المدارس يومًا.

ذلك لأن التعليم لم يكن مشروعًا لتحرير العقل، بل وسيلة للترقي الاجتماعي والوجاهة.

ولأن الوعي لا يُقاس بعدد الشهادات بل بقدرة العقل على الربط بين الأسباب والنتائج،

فقد بقي المتعلم السوداني، في كثير من الأحيان، ضحيةً لثقافة الولاء قبل ثقافة الفهم.

ولعل أخطر ما أصابنا هو أن السياسة تحولت إلى عاطفة، لا إلى فكرة.

فبدل أن تكون السياسة فنّ الممكن، أصبحت مسرحًا للغضب والمزايدات،

وميدانًا لتصريف الانفعالات النفسية والجهوية والدينية.

إنّ مناخًا كهذا لا يمكن أن يُنتج دولة مؤسسات، بل يُعيدنا كل مرة إلى المربع الأول:

الزعيم الملهم، والهتاف الجمعي، والوعي الغائب.

“الوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته.” – نجيب محفوظ

اليوم، وسط الدمار والدماء، لا نحتاج إلى مزيدٍ من الخطابات الحماسية،

بل إلى صمتٍ عاقل يعيد تعريف السياسة كمسؤولية أخلاقية لا مهنة للابتزاز.

على السياسيين أن يتوقفوا عن تبرير الخراب،

وعلى المواطنين أن يتوقفوا عن تقديس العجز باسم الوطنية.

فالأوطان لا تنهض بالمواعظ، بل بالمراجعة الصادقة،

ولا تتقدم بالشعارات، بل بإرادة الوعي، ومحاسبة الذات قبل الغير.

السودان الآن يقف عند حافة السؤال الوجودي:

هل نواصل الدوران في حلقة التاريخ ذاتها،

نكرر أخطاءنا بوجوه جديدة وأسماء مختلفة؟

أم نبدأ أخيرًا في ثورة الوعي، حيث التفكير يسبق الحماسة،

والفهم يسبق الغضب، والعقل يسترد مكانته كقائدٍ للحياة لا تابعٍ لها؟

الوعي ليس ترفًا فلسفيًا، بل شرط النجاة الوحيد لأمةٍ أرهقتها الحرب والتزييف.

حين ينهض الوعي، تموت الفتنة.

وحين يتكلم العقل، تسكت البنادق.

وعندها فقط، يمكن أن يُبعث السودان من رماده وطنًا يفكر قبل أن يثور،

ويتعلم قبل أن يحكم، ويؤمن بأن الحرية تبدأ من العقل لا من الهتاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!