رأي

🔷 سودان الوعي المؤجل.. حين يتكلم العقل تسكت البنادق

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

في كل مرةٍ يظن السودانيون أنهم اقتربوا من الخلاص، يكتشفون أنهم يدورون في الحلقة ذاتها: وعود كبيرة، ثم انكسارات أكبر.

الخلل لم يكن يومًا في قلة التعليم أو ضعف التجربة، بل في غياب الوعي الذي يجعل المعرفة فعلاً، لا زخرفًا لغويًا.

لقد تعلم السوداني القراءة والكتابة قبل أن يتعلم التفكير، فصار التعليم سابقًا للوعي، والتجربة متأخرة عن الفهم.

يبدو أننا نعيش مأساة تتكرر بأسماء مختلفة. فحين يغيب الوعي، يتحول الشعب إلى جموعٍ من المصفقين، لا المواطنين.

نثور ضد الظلم ثم نصنع جلادًا جديدًا، نحارب الفساد ثم نغفره إن صدر من أهلنا أو حزبنا.

تلك هي مفارقة العقل السوداني: انفعالٌ بلا تحليل، وحماسةٌ بلا بصيرة.

لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف السياسة في وجداننا، لا كمهنةٍ للمنابر والمناورات، بل كمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ تجاه الناس والوطن.

فالسياسي الذي لا يحمل في عقله ضميرًا، يصبح كمن يقود المركبة وهو أعمى.

وما أكثر من قادونا في عتمة الشعارات حتى تهنا جميعًا في صحراء الدم.

إنّ الوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته.

قد تُسلب الأرض ويُنهب المال، لكن لا يمكن أن تُسرق البصيرة.

وكل أمةٍ فقدت وعيها صارت فريسةً سهلة لكل طامعٍ ووصيّ.

لهذا، فإن معركتنا اليوم ليست بين جيشٍ ودعمٍ أو شرقٍ وغرب، بل بين الوعي والجهل، بين عقلٍ يفكر وعقلٍ يبرر.

السكوت أحيانًا أبلغ من الخطب، لأننا في حاجة إلى أن نصمت لنتأمل، لا لنتواطأ.

فالبلاد لا تُبنى على ضجيج البنادق، بل على صمت العقول التي تفكر وتخطط وتتعلم من الألم.

وحين يتكلم العقل، تسكت البنادق.

السودان اليوم يقف على عتبةٍ خطرة، لكنه ما زال قادرًا على النهوض.

بشرطٍ واحد: أن نوقظ الوعي قبل أن نطالب بالسلام،

وأن نؤمن بأن الخلاص لا يأتي من الخارج،

بل من عقلٍ سودانيٍ جديدٍ يرفض أن يُقاد، ويختار أن يفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!