الجيش السوداني تحت وصاية القاهرة: سيادة مهدورة وأمة في قبضة المصالح المصرية
تورط تاريخي يمتد منذ الخديوية حتى اليوم

نيروبي – التنوير
في قلب التاريخ السوداني الحديث، تتكشف صورة واضحة لمصالح مصرية متجذرة في شؤون السودان الداخلية، تتجاوز مجرد العلاقات الطبيعية بين دولتين، لتصل إلى حد التدخل العسكري والسياسي المباشر. هذا التدخل لم يكن وليد اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل يبدأ منذ الحقبة الخديوية، حين اعتبرت القاهرة السودان امتدادًا استراتيجيًا لأمنها القومي ومصدرًا لمواردها المائية والزراعية، مرورًا بالعهد الجمهوري، حيث استمرت مصر في التدخلات السياسية، ودعم أطراف داخل الجيش السوداني، ومحاولات التأثير على قرارات الدولة.
السياسة المصرية تجاه السودان منذ ذلك الوقت ارتكزت على ثلاث ركائز رئيسية: أولًا، ضمان النفوذ المباشر عبر المؤسسات العسكرية؛ ثانيًا، السيطرة على الموارد الحيوية من مياه ونفط ومعادن؛ ثالثًا، استخدام الانقسامات الاجتماعية والقبلية لصناعة أزمات داخلية تُعيق بناء مؤسسات الدولة الوطنية.
هذه التدخلات المتواصلة خلقت واقعًا مؤسفًا: الجيش السوداني لم يعد صمام أمان للدولة، بل أداة تنفيذية لأجندات خارجية، والقرار السياسي والميداني مرتهن لتوجيهات من خارج الحدود.
الجيش والسيادة المهدورة
الجيش السوداني، الذي من المفترض أن يكون مؤسسة وطنية مستقلة، أصبح اليوم في وضع غير مسبوق من التبعية الخارجية. ليس هناك مجال للشك في أن السياسة المصرية تمارس تأثيرًا مستمرًا على قرارات الجيش، سواء في التخطيط العسكري، أو التحركات على الأرض، أو صياغة التحالفات الإقليمية، وحتى في إدارة الصراعات الداخلية.

هذا الوضع يحرم الدولة من الاستقلال السياسي ويضعها في حلقة مفرغة من الفوضى، حيث كل خطوة إصلاحية أو محاولة للسلام مهددة بالفشل بسبب الضغوط الخارجية. كما يعاني المواطن السوداني تبعات هذا التبعية، إذ تتحول العمليات العسكرية أحيانًا إلى استهداف مجتمعات بعينها، بينما تظل الخدمات الأساسية والموارد الحيوية تحت التهديد المستمر.
نهب الموارد وفرض المصالح المصرية
لا يقتصر التدخل على الجانب العسكري والسياسي، بل يشمل أيضًا السيطرة على الموارد الطبيعية، بما في ذلك المياه والزراعة والمعادن.
هذا التوجه أدى إلى حرمان المواطنين من حقهم في تقرير مستقبلهم، وجعل الاقتصاد السوداني تحت تأثير خارجي دائم، وهو ما يعمّق أزمات التنمية ويزيد من معاناة الشعب.
السيطرة على الموارد ليست مجرد استراتيجية اقتصادية، بل أداة لإبقاء الدولة في حالة ضعف دائم، بحيث يصبح الجيش السوداني جزءًا من منظومة السيطرة وليس حامي السيادة.
صناعة الأزمات الداخلية
لقد لعبت التدخلات الخارجية دورًا مركزيًا في إشعال الأزمات السودانية الداخلية، من خلال دعم انقسامات قبلية وطائفية، وتحريك جماعات مسلحة تنفذ أجندات خارجية، ما أدى إلى تعطيل أي جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة. هذه السياسات ساهمت في تعميق الفوضى، وإضعاف الحكم المحلي، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، مما جعل السودان ساحة مفتوحة للصراعات المستمرة.
غياب الرؤية الوطنية والسياسية
غياب القرار المستقل للجيش انعكس على كل مؤسسات الدولة، وجعل القيادة السياسية عاجزة عن فرض رؤى واضحة لحماية المواطنين وإدارة الصراعات. فبدلاً من أن يكون الجيش قوة جامعة تعمل لصالح السودان، أصبح عنصرًا يوجه ويشكل تحالفات وفق مصالح خارجية، دون مراعاة المصالح الوطنية.
هذا الواقع أدى إلى تراجع الثقة في الدولة، وفقدان الشعور بالأمان لدى المواطنين، وانتشار عدم الاستقرار في جميع مناطق السودان.
خطر استمرار التبعية على الأمن القومي
استمرار التبعية المصرية للجيش السوداني يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، ويحول البلاد إلى ساحة صراعات مستمرة، حيث كل قرار سياسي أو عسكري يتخذ مرتبط بتوجيهات خارجية، وليس بمصلحة الشعب السوداني. هذا الوضع يجعل من أي عملية إصلاح أو بناء دولة حديثة أمراً شبه مستحيل، ويزيد من احتمالات التصعيد في النزاعات المسلحة الداخلية.

البديل: استعادة القرار الوطني واستقلال الجيش
الحل الجذري يكمن في استعادة الجيش لسيادته الوطنية، وإبعاد أي تأثير خارجي، وبناء مؤسسة عسكرية حرة تعكس مصالح الشعب قبل مصالح الدول الأجنبية. استعادة القرار العسكري والسياسي يجب أن يكون أولوية لضمان الاستقرار الوطني، ووقف الصراعات المستمرة، وتوفير بيئة مناسبة للتنمية وإدارة الموارد الوطنية بشكل مستقل.
إعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية حرة هو شرط أساسي لإنقاذ السودان من الأزمة الممتدة، وإعادة الثقة بين الدولة والمواطنين. فبدون جيش مستقل، لا يمكن لأي حكومة فرض هيبة الدولة، ولا يمكن تحقيق سلام دائم، ولا يمكن ضمان استقرار اقتصادي واجتماعي.
تفعيل المؤسسات المدنية والحكم المحلي
إلى جانب استعادة الجيش لسيادته، يجب تعزيز دور المؤسسات المدنية والحكم المحلي، لضمان توزيع السلطة والثروة بشكل عادل بين جميع المواطنين، بعيدًا عن الوصاية الخارجية أو المحاصصات الضيقة. هذا يعزز المشاركة الشعبية، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على إدارة الصراعات الداخلية بطرق سلمية، ويحد من تدخل القوى الخارجية.
الدروس المستفادة ومواجهة التدخلات المستقبلية
الأزمة السودانية الحالية تعطينا درسًا مهمًا: لا يمكن لأي شعب أن يحقق السلام أو التنمية إذا كانت مؤسسته العسكرية الأساسية مرتهنة لأجندات خارجية. يجب أن يكون هناك وعي شعبي وإرادة سياسية قوية لمواجهة أي تدخل خارجي، واستعادة السيطرة على القرار الوطني، وبناء دولة مؤسسات حقيقية تحمي سيادة الشعب ومصالحه.
إن السودان الذي طالما كان مثالًا للتعددية والحرية لا يمكن أن يستمر في إدارة شؤونه تحت نفوذ خارجي، وأي تقدم سياسي أو اقتصادي سيكون هشًا إذا لم يُسترجع الجيش قراره الوطني وسيادته على حدوده الداخلية والخارجية.




