تقارير وتحقيقات

زلزال نيالا… حين تحدّث الشارع السوداني بصوتٍ واحد .. من الهامش الي مركز المشهد 

التنوير تقرير خاص

 

نيالا  تقرير خاص

لم تكن شوارع مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مجرد مسرحٍ لتظاهرة عابرة، بل بدت وكأنها ساحة تاريخية لحدث سياسي استثنائي. فقد خرجت حشود جماهيرية ضخمة ضمت آلاف المواطنين من مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية، في مواكب عارمة احتفالاً بالقرار الأمريكي القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً، في مشهد اعتبره مراقبون واحداً من أكبر التعبيرات الشعبية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.

وامتلأت الشوارع والساحات بالأعلام واللافتات والهتافات التي تستعيد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، حيث رددت الجماهير بصوتٍ واحد: “حرية سلام وعدالة… الثورة خيار الشعب”. ولم يكن الحضور مقتصراً على المواطنين العاديين، بل شاركت فيه قيادات سياسية وتنفيذية وناشطون في منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى ممثلين لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، في تأكيد واضح على أن الحدث تجاوز كونه مظاهرة سياسية ليصبح لحظة رمزية تعبّر عن تحولات عميقة في المزاج العام داخل مناطق دارفور.

نيالا… مدينة تتحول إلى ساحة تعبير سياسي

منذ ساعات الصباح الأولى بدأت الحشود تتقاطر إلى شوارع نيالا الرئيسية، حيث انطلقت المواكب من أحياء متعددة قبل أن تتجمع في قلب المدينة. وقد بدا المشهد أقرب إلى موجة بشرية ضخمة رفعت شعارات الثورة، ورددت هتافات تدعو إلى إنهاء نفوذ الحركة الإسلامية في المشهد السياسي السوداني.

ولم يكن خروج الجماهير مجرد استجابة لحظة سياسية آنية، بل جاء نتيجة تراكم طويل من التجارب التي عاشها سكان دارفور خلال العقود الماضية. فهذه المنطقة التي عانت من النزاعات المسلحة والتوترات السياسية كانت دائماً تبحث عن مسار يفتح الباب أمام الاستقرار والتنمية.

ويرى عدد من المحللين أن حجم المشاركة في التظاهرات يعكس رغبة قطاعات واسعة من المجتمع في طي صفحة الصراعات المرتبطة بمرحلة النظام السابق، وفتح المجال أمام مشروع سياسي جديد يقوم على مفاهيم المواطنة والعدالة الانتقالية.

كما حملت اللافتات التي رفعها المتظاهرون رسائل واضحة للمجتمع الدولي، مفادها أن الشارع السوداني، وخاصة في إقليم دارفور، يتطلع إلى مرحلة مختلفة يكون فيها القانون والمؤسسات أساساً للحكم، بعيداً عن التنظيمات الأيديولوجية التي طبعت الحياة السياسية لعقود طويلة.

خطاب الوالي… رسالة سياسية أمام الحشود

في قلب التظاهرات، وقف والي ولاية جنوب دارفور الأستاذ يوسف إدريس يوسف مخاطباً الجماهير في خطاب اتسم بالحماس والوضوح السياسي. وأكد الوالي أن خروج هذه الحشود يمثل “تعبيراً شرعياً مكفولاً بالدستور والقوانين المحلية والدولية”، مشيراً إلى أن الجماهير خرجت لتعبر عن موقفها تجاه مرحلة سياسية جديدة.

وأوضح الوالي أن الأعداد الكبيرة التي ملأت شوارع نيالا تعكس حجم المعاناة التي عاشها السودانيون خلال العقود الماضية، مؤكداً أن هذه التظاهرات تمثل رسالة واضحة بأن الشعب السوداني لم يعد مستعداً للعودة إلى الوراء.

كما وجّه يوسف شكره إلى الولايات المتحدة لاتخاذها قرار التصنيف، واصفاً الخطوة بأنها “قرار تأخر كثيراً لكنه يمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان الحديث”. وأضاف أن التحولات السياسية التي يشهدها السودان اليوم لن تكون ممكنة دون تضحيات كبيرة قدمها السودانيون في سبيل التغيير.

وأشار الوالي كذلك إلى الدور الذي لعبته القوى المدنية والمجتمعية في دعم مسار التحول السياسي، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد جهوداً مكثفة لبناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار في الإقليم.

تحالف “تأسيس”… مشروع الدولة الجديدة

من جانبه، أكد الأستاذ أسامة حسن حسين، عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، أن التظاهرات التي شهدتها نيالا تعكس حجم التأييد الشعبي للمشروع السياسي الذي يعمل التحالف على ترسيخه في مناطق دارفور.

وقال حسين إن الحكومة التي يقودها التحالف ماضية في تنفيذ برنامجها الرامي إلى بناء دولة العدالة والمواطنة، مشيراً إلى أن السودان يحتاج إلى مرحلة جديدة تقوم على سيادة القانون وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.

وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بمتابعة تنفيذ قرار التصنيف بشكل جاد، من خلال اتخاذ إجراءات عملية تشمل ملاحقة القيادات المتورطة في أنشطة العنف، وتجميد الأنشطة التنظيمية التي تهدد استقرار البلاد.

وأشار أيضاً إلى أن تحقيق الاستقرار السياسي يتطلب معالجة جذور الأزمات التي عاشها السودان، بما في ذلك تفكيك البنى التي ارتبطت بالنظام القديم، والعمل على بناء مؤسسات حديثة قادرة على إدارة الدولة بصورة شفافة ومسؤولة.

دارفور… بين الذاكرة الثقيلة وتطلعات المستقبل

بالنسبة لكثير من سكان دارفور، لم تكن التظاهرات مجرد حدث سياسي، بل تعبيراً عن ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب القاسية التي عاشها الإقليم خلال العقود الماضية. فدارفور التي شهدت واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم لا تزال تسعى إلى تجاوز آثار تلك المرحلة.

ويرى ناشطون أن خروج هذه الحشود يحمل دلالة رمزية قوية، مفادها أن المجتمع المحلي يريد أن يكون جزءاً فاعلاً في صياغة مستقبل السودان، لا مجرد ساحة للصراعات السياسية والعسكرية.

كما أن رفع شعارات الثورة داخل شوارع نيالا أعاد إلى الأذهان روح ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بالنظام السابق، حيث لا يزال الكثير من السودانيين يعتبرون تلك الثورة لحظة مفصلية في تاريخ البلاد.

وتؤكد هذه التظاهرات، بحسب مراقبين، أن الشعارات التي رفعتها الثورة  الحرية والسلام والعدالة  لا تزال حاضرة في وجدان السودانيين، خاصة في المناطق التي عانت طويلاً من التهميش والصراعات المسلحة.

رسالة إلى الداخل والخارج

لم تكن الرسالة التي حملتها تظاهرات نيالا موجهة إلى الداخل السوداني فقط، بل أيضاً إلى المجتمع الدولي. فالمشاركون في المواكب أكدوا من خلال هتافاتهم ولافتاتهم أن الشارع السوداني يتطلع إلى دعم دولي يساهم في تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

ويرى مراقبون أن مثل هذه التحركات الشعبية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في إعادة تشكيل صورة السودان على المستوى الدولي، خاصة إذا ارتبطت بجهود سياسية ومؤسسية تهدف إلى بناء دولة حديثة قائمة على سيادة القانون.

وفي الوقت ذاته، فإن خروج هذه الحشود يبعث برسالة داخلية مفادها أن المزاج الشعبي في مناطق واسعة من البلاد يميل إلى دعم أي خطوات يرى فيها فرصة للخروج من دوامة الصراعات السياسية والعسكرية التي استمرت لسنوات طويلة.

السودان عند مفترق طرق

مع نهاية يومٍ طويل من الهتافات والمواكب، بدت مدينة نيالا وكأنها شهدت لحظة سياسية فارقة. فقد أعادت هذه التظاهرات التأكيد على أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل تطلعات التغيير مع تحديات الواقع السياسي والأمني.

غير أن ما بدا واضحاً في شوارع نيالا هو أن قطاعات واسعة من السودانيين لا تزال متمسكة بأحلام الثورة، وترى في التحولات الجارية فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

    وبينما يظل الطريق نحو الاستقرار الكامل طويلاً ومعقداً، فإن مشهد الجماهير التي ملأت شوارع المدينة يبعث برسالة قوية مفادها أن الإرادة الشعبية ما زالت حاضرة، وأن حلم بناء “سودان جديد” قائم على الحرية والسلام والعدالة لا يزال حياً في قلوب السودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!