رأي

كيف دمّرت الحركة الإسلاموية مشروع الدولة الوطنية؟

سمية النور دهب

لم تكن الأزمة التي جرّتها على الوطن جماعاتٌ تحمل الشعارات الدينية مجرد انحرافٍ سياسي؛ بل كانت مرضًا اجتماعيًا حادًّا، تجاوز حدود الاجتهاد الفكري ليصبح هوسًا دينيًا يُعطِّل العقل ويُبرِّر العنف. تلك الشعارات الفارغة، وخطابات التعبئة والتحشيد، وحملات التحريض على الآخر، جميعها عناصرُ منظومةٍ أخرجت الجماعة من سياق النضال المدني والسياسي إلى خانة الطغيان الفكري، حتى صار هدفها البقاء في السلطة بأية وسيلة، للصمود فوق جثث المشروع الوطني.

إن من يعاين اليوم أثر هذه الجماعات على النسيج الاجتماعي يدرك أن المشكلة ليست في اختلاف الرؤى فحسب، بل في أن خطابها اختزل الدين في أداة قهر، واستبدل الدعوة بالتهديد، والحوار بالصوت الواحد. فبدل أن يكون الدين جسرًا للتعاضد، صار مبررًا للاستئثار والقمع. والنتيجة كانت تفتت المجتمع، وإشاعة ثقافة الخوف، وجرّ الأمة إلى دوائر لا تنتهي من الانتقام والاقتتال.

لقد بات واضحًا أن هذه الحركات تعاني فراغًا معرفيًا عميقًا: قوةٌ خارجة تُحركها مشاعر مريضة أكثر من مبادئ، وتغلب عليها لغة التهويل أكثر من منطق الحجة. وكما قيل في قولٍ مأثور: «من يركب موجة الغضب لا يصلح أن يكون ربانًا لدولةٍ تبنيها العقلاء.» هذا القول يذكّرنا أن العنف ليست له غاية بنّاءة، بل هو فوضى تولّد فوضى، وأن من يستدعي النار لا يمكنه التحكّم في أضرارها.

وصار الشعب كله — بمختلف انتماءاته — ضحية خطابٍ استُخدمت فيه المقدسات كستارٍ لمآرب سياسية. وداخل هذه اللعبة المريرة، برزت مآزق أخلاقية وصراع على الشرعية: من يدعي امتلاك النص المقدس يزعم امتلاك الحقيقة، ومن يخالفه يُوصَم بالخيانة أو التكفير. وهكذا غُيّبت الأمة قسرًا عن مسارات التسوية والوفاق، وحُلّت محلها مآلات الدم والخسارة.

أما تكثيف الحملات الدعائية والإعلامية، فلا يقل خطورة عن السلاح المادي؛ فالمال الذي صُرف في تعبئة الجماهير ولجم العقل كان استثمارًا في استمرار الحرب نفسها. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن جزءًا من الموارد جرى تحويله لصناعة آلة للعنف النفسي والاجتماعي، ما مكّن قلةً من البارزين من إعادة إنتاج نفوذهم على حساب معاناة الغالبية. وفي هذا السياق يصدق القول المأثور: «من يشتري الخوف يبيع الوطن قطعةً قطعة.»

والأمر الأكثر إيلامًا أن بعض الأصوات التي رفعت شعارات الخلاص خلّفت وراءها ثقافةً من الكراهية والتمزق؛ ثقافةٌ تشرعن الإقصاء وتحوِّل الاختلاف إلى جرم. وقد أصبح واضحًا أن أي مشروعٍ وطني لا يقوم على قبول الآخر والتعددية لا يطلق عليه صفة الدولة؛ فإنه ببساطة مشروع سلطةٍ أحادية، لا وطنية، تشتغل بمقاييس الولاء لا بمقاييس الكفاءة والعدالة. وهنا يبرز قول مأثور ثالث: «الحق لا يُسجل في بطاقات الولاء، بل يُبنى في مفاصل العدالة.»

لا يكمن الحل في نبذ الدين أو إنكار أهميته؛ بل في استعادة دوره كقيمةٍ إنسانية تضمد الجراح بدل أن تفتحها. الحل يبدأ بتفكيك خطاب العنف، وبتهيئة أرضية فكرية تعليمية تُمكّن الناس من قراءة النصوص بوعيٍ نقدي، لا بتلقينٍ أُحادي. كما يبدأ باستعادة مؤسسات الدولة، وإرساء آليات محاسبة لمن استغلّوا الدين لأهداف شخصية، وإعلاء ثقافة المواطنة التي تفرض الحقوق قبل الولاءات.

ختامًا، لا يمكننا أن نتجاهل أن الأمة تتعرّض لآفةٍ ليست مجرد خلاف تنظيمي أو سياسي، بل مرضٌ فكري واجتماعي. ومعالجته لا تكون بالاستسلام للخطاب المضاد ولا بالانتقام، بل ببناء مشروع وطني شامل يضمّ المختلف تحت مظلة المواطنة، ويُحرّم تحويل الإيمان إلى معولٍ يهدم دولةً أو يقترح إبادة إنسانية. فالمستقبل لا يُبنى إلا حين يضع العقل مكان عاصفة الغضب، ويقدّم الحوار كأداة للتصالح، والعدل كقيمةٍ لا يُمسّ بها أحد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!