المحاسبة لا الاشتباه ! : كيف يلاحق نشطاء الخارج فلول النظام البائد دون المساس بحق اللجوء ؟
عبدالعليم بابكر

عبدالعليم بابكر
القيادي بتيار الوسط للتغيير
منذ سقوط نظام الإنقاذ، ظل سؤال المحاسبة حاضرًا في وجدان كل من دفع ثمنًا من عمره أو أهله خلال عقود الحكم الشمولي، ومحطاته الدامية فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، ثم حرب الخرطوم التي اندلعت في إبريل 2023 وشرّدت الملايين داخل السودان وخارجه. وبين من فرّوا إلى دول اللجوء، ثمة قناعة راسخة بأن بعض من تسلّق سلم اللجوء لم يكن ضحية بل شريكًا سابقًا في الانتهاكات، وأن العدالة لن تكتمل ما لم يُحاسَب هؤلاء أينما وُجدوا.
هذه القناعة مشروعة، بل واجبة أخلاقيًا. لكن الطريق إليها يحدد مصيرها فإما أن تُبنى على وثائق وأدلة تصمد أمام القانون، أو تتحول إلى حملة اشتباه جماعي تطال الأبرياء وتضر بالقضية العادلة أكثر مما تخدمها.
لماذا الاشتباه الفردي طريق مسدود
من السهل أن ينزلق الخطاب العام نحو معايير مثل “لهجته تفضحه” أو “قصته فيها ثغرات”، لكن هذه المعايير لا تصمد أمام أي جهة تحقيق جادة، وهي خطرة لسببين
الأول، أنها تنطبق بالقدر نفسه على لاجئ حقيقي أنهكته الحرب، فجاءت روايته مضطربة لا لأنه يكذب بل لأنه ينقل صدمة حقيقية. الناجي من العنف قد يخلط في التواريخ أو يتلعثم في السرد. والفارق بين الناجي المصدوم والمتسلل الكاذب لا تكشفه اللهجة، بل الوثائق والمواجهة القانونية.
الثاني، أن الدعوة “لرصد” أفراد بناءً على انطباعات شخصية تفتح الباب لتصفية حسابات تحت غطاء وطني، وقد تُستخدم لتشويه ناشطين اختلفوا سياسيًا مع بعض الأطراف. والتاريخ السوداني حافل بحالات وُصم فيها معارضون بـ”العملاء” دون دليل، ثم ثبتت براءتهم لاحقًا.
الدور الأخلاقي الفعلي لنشطاء الخارج
التوثيق بالاسم والمنصب والانتهاك المحدد. من شغل موقعًا رسميًا في المؤتمر الوطني أو الأجهزة الأمنية أو الميليشيات المتحالفة معه، وتوجد بحقه وثائق أو شهادات تثبت تورطه في انتهاكات محددة كالتعذيب أو الاختفاء القسري أو القتل العمد، فهذا اسم يستحق أن يُوثَّق ويجب أن يشمل التوثيق الاسم الكامل، المنصب، الفترة الزمنية، الجهة التي ارتُكب تحت مظلتها الانتهاك، وشهود أو وثائق داعمة.
مخاطبة الجهات المختصة من منظمات حقوقية دولية متخصصة كهيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، أو آليات المحكمة الجنائية الدولية المحققة في جرائم حرب السودان، والاجهزه الأمنية في دولة اللجوء المتخصصة في جرائم مكافحة الأرهاب وشئون الهجره هي الجهات القادرة على التحقق من الأدلة وحماية مقدّمها من المسؤولية عن اتهام لم يثبت. فالنشر قبل التحقق قد يعرّض المبلّغ للمساءلة، ويهدد مصداقية القضية.
احترام إجراءات دول اللجوء. لكل دولة آلية رسمية للإبلاغ عن احتيال في طلب اللجوء أو نشاط إجرامي، مبنية على تقديم بيّنة لا استحضار شبهة. اللجوء إليها مباشرة، دون تحريض عام مسبق، يحمي مصداقية البلاغ وسلامة الأبرياء.
بناء أرشيف موثّق للانتهاكات. بدلاً من “صيد الأفراد”، يمكن العمل على أرشيف رقمي يجمع شهادات الضحايا والتقارير الحقوقية والصور، ليصبح مرجعًا لأي جهة تحقيق مستقبلية، ويحمي الذاكرة الجماعية من التشويه. وهناك
أمثلة على آليات المحاسبة الدولية
المحكمة الجنائية الدولية تحقق حاليًا في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان، ويمكن تقديم معلومات موثقة مباشرة إلى مكتب المدعي العام.
مبدأ الولاية العالمية تسمح دول مثل ألمانيا وفرنسا وكندا بمحاكمة مرتكبي جرائم حرب حتى لو لم تقع على أراضيها، بشرط توفر أدلة كافية.
قوائم العقوبات الدولية تقديم أدلة على تورط أفراد في انتهاكات إلى جهات كوزارة الخزانة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى تجميد أصولهم أو منع سفرهم.
خط أحمر لا يجوز تجاوزه
مهما بلغ الألم الذي خلّفه النظام البائد، فإن وصم فئة كاملة من طالبي اللجوء بالشبهة، أو تحويل الشك إلى واجب جماعي يمارسه كل ناشط بانطباعه الشخصي، تكرار لنفس منطق التخوين الذي استخدمه النظام نفسه ضد المعارضين. العدالة التي نطالب بها لا تُبنى بأدوات الظلم الذي هربنا منه.
المحاسبة الحقيقية بطيئة وموثقة، ويتحمل أصحابها المسؤولية القانونية الكاملة عن اتهاماتهم. أما الاشتباه الجماعي فسريع ومريح عاطفيًا، لكنه لا يصنع عدالة بل ضحايا جددًا، ويهدد مصداقية الحركة الحقوقية السودانية في أعين العالم.
المطلب الأساسي هو عدالة لا تُكرّس الظلم
المسار الصحيح ليس في التبليغ عن الجميع، بل في التوثيق لمن يستحق. ليس في الاشتباه باللهجة، بل في الإثبات بالوثيقة. وليس في الخطاب العام، بل في القنوات القانونية. بهذه الطريقة وحدها نضمن أن المحاسبة لا تتحول إلى أداة انتقام، بل إلى جسر نحو عدالة حقيقية تحفظ كرامة الضحايا وتحمي الأبرياء من ظلم جديد باسم العدالة




