رأي

الرباعية والسودان: المواقف المتباينة وتداعياتها على قراءة المستقبل

بروفيسور عبد الرحمن العمرابي

 

بروف …عبدالرحمن العمرابي

في خضم الصراع السوداني الممتد، تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، لتتحول السودان إلى مسرح صراع النفوذ بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. ومع بروز “الرباعية” — الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، والمملكة المتحدة — كإطار تنسيقي يسعى لإعادة السودان إلى مسار السلام والتحول المدني، بات واضحاً أن مواقف هذه الأطراف، وتأثيرات القوى المجاورة، تُعيد تشكيل خريطة السودان السياسية والعسكرية من جديد.

الولايات المتحدة تقف عند نقطة حرجة بين التاريخ والمصالح. فذكريات دعم الإسلامويين لحماس والتنظيمات الإرهابية باسم الإسلام ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الأمريكية كواقع لا يقبل التشكيك. ومع تقارب الإسلامويين في السودان مع معسكر روسيا وإيران، ازداد القلق الأمريكي من إعادة إنتاج محور يعادي إسرائيل ويهدد استقرار المنطقة. واشنطن ترى في دعم القوى المدنية أداة لإضعاف هذا المعسكر، لكنها تفشل في تحقيق توازن فعلي بين مصالحها الأمنية ودعواتها للتحول الديمقراطي، ما يجعل سياستها عرضة للتناقض بين الأقوال والأفعال.

السعودية من جانبها، أظهرت ميولاً واضحة نحو معسكر الانقلابيين بعد أن تخلت عن سياسة “مسك العصا من منتصفها”، متأثرة بالتدخل الاستخباراتي المصري ومحاولة القاهرة الفوز بمقعد القيادة الإقليمي بعد أن آلت القيادة العالمية لواشنطن. وعلى الرغم من محاولات الرياض المتأخرة لتغيير موقفها وإعادة تموضعها كوسيط، إلا أن مبادرة جدة فقدت بريقها، وأصبحت جزءاً من الماضي يصعب الرجوع إليه إلا كمشهد رمزي. ومع ذلك، تعمل السعودية بجدية لاستعادة دورها حتى وإن كان الثمن إعادة فتح قنوات الحوار، خاصة بعد إدراكها أن استمرار الحرب يعني خسارة نفوذها في البحر الأحمر وشرق إفريقيا

الإمارات تظل صاحبة الموقف الأكثر توازناً وعقلانية في نظر الشارع السوداني، حيث تحظى بأغلبية دعم شعبي غير مسيس، وباحترام من الولايات المتحدة ومصر معاً. غير أنها فضلت ترك مساحة المناورة الإقليمية للسعودية، مع الاستمرار في دعم مسار “تأسيس” كمدخل لحكم مدني مستقر. إلا أن هذا الدعم بدأ يتراجع بعد أن فشلت “تأسيس” في تقديم نظام مؤسسي واضح، وحوكمة فعالة، وشفافية مالية، وتوسيع قاعدتها الشعبية. ومع ذلك، يُتوقع أن تبقى الإمارات شريكاً أساسياً في بناء السودان المستقبلي بعلاقة تقوم على المساواة لا الهيمنة الفوقية كما هو الحال مع بقية الجهات الفاعلة.

مصر تعيش وضعاً دبلوماسياً بالغ الحرج. اصطفافها مع الانقلابيين جعلها تبدو في مواجهة الإرادة الشعبية السودانية التي ترفض الدكتاتورية العسكرية. كما أن الإسلامويين الذين ظنت القاهرة أنهم حلفاء تكتيكيون، باتوا خطراً يهددها كما يهدد السودان والإقليم بأكمله. مطامع مصر في استمرار تبعية السودان لها سياسياً واقتصادياً عبر الإبقاء على الاقتصاد الاستخراجي وضمان مياه النيل والإبقاء على بعبع لإسرائيل، جعلها تُعارض أي تحول ديمقراطي علماني أو مدني حقيقي في السودان. ورغم إدراكها أن هذا الموقف ينتمي إلى الماضي، إلا أن القاهرة ترى فيه رهانا ضروريا للحفاظ على موقعها ونفوذها.

المملكة المتحدة تحاول استعادة موطئ قدم في مستعمرتها السابقة. فقدت الكثير من نفوذها خلال حقبة الإسلامويين بسبب ارتباط رأس المال البريطاني بملفات فساد واسعة، مما جعل مصداقيتها موضع شك. الآن تحاول لندن العودة عبر تحالف “صمود”، تماماً كما فعلت من قبل مع “تقدم”، مستخدمة خطاب المساعدات الإنسانية لتثبيت نفوذها. لكنها تُتهم بأنها تستغل المأساة الإنسانية في السودان لتأمين موطئ قدم سياسي بعد أن تراجعت مكانتها في الملفات الإفريقية.

إسرائيل من جانبها تتابع المشهد السوداني بدقة بعد أن هدأت جبهة غزة نسبياً. وهي تدرك أن أمن البحر الأحمر خط أحمر وخطر وجودي بالنسبة لها، وأن أي فراغ أمني في السودان قد يُعيد فتح جبهة جديدة ضدها. لهذا ستعمل على التأثير في المسار الأمريكي لضمان تحييد السودان من أي تحالفات قد تهدد أمنها.

أما إثيوبيا فترى أن أمنها الغذائي يعتمد على استغلال الأراضي والموارد السودانية. وهي الآن تميل نحو معسكر الدعم السريع، ليس حباً فيه، بل لتحقيق توازن مع مصر الداعمة للانقلابيين. ارتريا من جانبها تتقرب من الانقلابيين طمعاً في حليف ضد إثيوبيا، وسعياً لإنقاذ اقتصادها المتهالك من العزلة الدولية. تشاد تستغل الوضع الراهن لتوسيع مكاسبها القبلية والاقتصادية، بينما يراهن فصيل حفتر الليبي على استمرار الفوضى للاستفادة من تجارة السلاح والحدود المفتوحة. أما إفريقيا الوسطى فقد أصبحت بوابة النفوذ الفرنسي نحو ثروات السودان بعد أن فقدت فرنسا معظم مصادرها الإفريقية، وتبحث عن أرض جديدة تتسلل إليها بهدوء.

جنوب السودان ما زال أسير خلافاته الداخلية، لكنه يحتفظ بعداء تاريخي للإسلامويين، ويتقارب أكثر مع الحركة الشعبية شمال بسبب الترابط الاقتصادي عبر النفط، ما يجعل موقفه محسوباً بحذر ضمن معسكر رافض لعودة الإسلامويين أو للدكتاتورية العسكرية.

منظمة الوحدة الإفريقية والإيقاد واقعتان إلى حد بعيد تحت نفوذ الإسلامويين وبعض الميول إلى “صمود”، نتيجة الدعم الأوروبي، خصوصاً من سويسرا والمملكة المتحدة، رغم أن سويسرا فقدت حيادها التقليدي بانحيازها لهذا المعسكر. الأمم المتحدة، بسبب ضعفها المالي ومواقفها المتأرجحة، تحولت إلى منصة للوقوف ضد المسار الأمريكي، مع الميل إلى بريطانيا وتجنب الدخول في صراع مباشر بين المعسكرين الروسي والأمريكي، خاصة بعد فقدانها مكانتها القيادية في ملفي غزة وأوكرانيا.

قوات الانقلابيين هي الجيش، ولا يمكن وصفه بالنظامي، إذ تحول إلى أداة بيد مجموعة انقلابية ذات خلفية إسلاموية. أما الحركات المسلحة، فتعاني من ضعف الثقة الشعبية وبعدها عن هموم المواطن السوداني، رغم شعاراتها الفكرية التي راقت لبعض النخب. لكنها تعيش انقسامات داخلية وتُتهم بأنها تحولت إلى قوى جهوية وإثنية أكثر من كونها حركات وطنية، مما أضعف موقفها وأفقدها القدرة على تقديم نفسها كخيار شعبي مستقل دون تحالفات مشروطة.

أما القوى المدنية، فعليها مسؤولية تاريخية بتوسيع قواعدها الشعبية وتجنب الإقصاء الذي تمارسه بعض المكونات، بعدما تحولت إلى أجسام تمثل “الدكتاتورية المدنية” التي يتحكم فيها أشخاص لا مؤسسات. هذا السلوك يُفقدها شرعيتها ويمنح العسكريين حجة البقاء.

تدل المؤشرات على أن السودان يسير نحو مرحلة فرز واقعي تُبنى فيها التحالفات على المصلحة لا على الشعارات. الرباعية تدرك أن الحل لن يأتي بفرض خارجي، وأن تجاهل القوى الجديدة العسكرية والمدنية لن يؤدي إلا لمزيد من الفوضى. ومع ذلك، ما زال الأمل قائماً في أن توحد القوى المدنية خطابها وتبني شراكة حقيقية مع الأطراف الإقليمية والدولية على قاعدة المصلحة الوطنية.

إن السودان اليوم يقف على حافة تحول تاريخي بين حرب تُعيده إلى الوراء وسلامٍ يؤسس لجمهورية جديدة قائمة على العدالة والتنوع والشفافية. ومهما تعددت المواقف الدولية والإقليمية، فإن مصير السودان سيظل في يد أبنائه، إن هم أدركوا أن المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع بالإرادة والعقل والاتحاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!