
د. موسى الأمين حمودة
يأتي احتفال الناس التلقائي، ولا سيما أهالي دارفور، بما جرى في مدينة الفاشر وسقوط الفرقة السادسة، كلحظة فاصلة في التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان الغربي. فالحدث في نظرهم لا يُختزل في معركة ميدانية أو سيطرة عسكرية، بل يُعد تحولًا رمزيًا يشير إلى نهاية مرحلة هيمنة ما يُعرف بدولة 1956 على أرض دارفور، وبداية ميلاد واقع جديد يقوم على التحرر من وصاية النخب المركزية في الخرطوم وشمال السودان.
لقد ظلت دارفور لعقود طويلة تعاني من تهميش سياسي واقتصادي ممنهج جعلها خارج معادلة السلطة والثروة في الدولة السودانية. فالدولة التي ورثت مؤسساتها من المستعمر لم تُعد بناءها بما يعكس التنوع الثقافي والجغرافي للبلاد، بل كرّست نفوذ المركز وعمّقت الفجوة بينه وبين الأقاليم. هذه السياسات أنتجت شعورًا متزايدًا بالاغتراب ورسّخت قناعة لدى أبناء دارفور بأن الخرطوم لم تكن يومًا عاصمة جامعة، بل سلطة فوقية تستمد شرعيتها من القهر لا من التوافق.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى سقوط الفاشر بوصفه انهيارًا لمشروع الدولة الأحادية التي قامت على مركزية النيل والخرطوم، وبداية تشكّل دولة جديدة أكثر تمثيلًا للهامش. دارفور اليوم لا تحتفل بالدمار، بل تحتفي بالتحرر من معادلة ظالمة عمرها أكثر من نصف قرن، وبالأمل في بناء نظام سياسي جديد يستمد شرعيته من إرادة الناس لا من إرث القوة والسلاح.
وهذا التحول التاريخي يضع حكومة تأسيس على الطريق الصحيح نحو تخليص السودان من حكم الحركة الإسلاموية الإجرامية ووقف تدفق الفكر المتطرف العابر للحدود الذي غذّى الحروب والانقسامات لعقود طويلة. إن مشروع التأسيس، إذا نجح في ترسيخ دولة مدنية عادلة، سيعيد للسودان توازنه السياسي والفكري، ويضع حدًا لحقبة الاستبداد الأيديولوجي الذي كبّل الدولة وأفشل مؤسساتها.
وما يحدث اليوم في دارفور يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل السودان: هل نحن أمام نهاية الدولة القديمة وبداية تأسيس دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة؟ وهل يمكن تحويل هذا الانتصار الرمزي إلى مشروع وطني جامع ينهض بالسودان من ركام الحروب؟
مهما تكن الإجابات، فإن المؤكد أن دارفور لم تعد على الهامش، وأن ما جرى في الفاشر ليس نهاية مرحلة، بل بداية فصل جديد من تاريخ السودان، يُكتب هذه المرة بإرادة الأقاليم وتضحيات شعوبها، لا بقرارات النخب في الخرطوم.




