رأي

سكاي نيوز عربية… حين ينتصر الميدان للصدق ويُهزم التزييف بالصوت والصورة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

في لحظة فارقة يتداخل فيها النزاع مع زحام السرديات وتضارب الروايات، سجّلت قناة سكاي نيوز عربية حضوراً لافتاً في مدينة الفاشر، حضوراً يمكن وصفه بأنه إعادة اعتبار لدور الإعلام حين يتقدّم الميدان على الأستديو، والصوت الحيّ على التحليل المعلّب. فقد جاء وصول الفريق الإعلامي بقيادة المذيعة اللامعة تسابيح مبارك كرسالة قوية مفادها أن الحقيقة تُبنى من الأرض لا من خلف الزجاج، وأن ما يُنقل من قلب المعاناة لا يمكن أن يجاريه أي خطاب يُصنع على بُعد آلاف الكيلومترات.

لقد وجد السودانيون في تلك التغطية ما افتقدوه طويلاً؛ مصدراً يسمع الناس قبل أن يتحدث عنهم، ويعرض ما يجري كما هو، بلا تدخّل ولا تهذيب ولا انتقاء. وقد حظيت تغطية سكاي نيوز عربية باحتفاء واسع ولافت، ليس بسبب الصورة وحدها، بل بسبب طريقة الاقتراب من الناس، والجلوس إليهم، ودخول الأزقة ومعسكرات النزوح، والظهور وسط المشهد بجرأة وصبر ومسؤولية. في الأحياء التي أثقلتها الحرب، وفي معسكرات النزوح التي تحولت إلى ملاذات للناجين، بدت الكاميرا أقرب إلى شاهد عيان منها إلى أداة نقل تقليدية.

وفي زمن يتراجع فيه دور الإعلام أمام تمدد الخطاب الموجَّه، أصبحت التغطية التي تلامس الميدان خطوة أخلاقية قبل أن تكون مهنية. فالصورة التي تُلتقط في المكان نفسه لا تشبه الصورة التي تُصنع في غرف الأخبار حيث تُعاد صياغة الجمل لتناسب زاوية سياسية محدّدة. وهذه بالضبط هي النقطة التي جعلت السودانيين يشعرون بأن سكاي نيوز عربية لم تأتِ لتتكلّم عنهم، بل جاءت لتسمعهم وتعرض صوتهم كما هو.

وعلى الجانب المقابل، بدت قنوات مثل الجزيرة والعربية والحدث وكأنها تتحرك بعيداً عن الواقع السوداني، مكتفية بسرديات جاهزة وأطر تحليلية لا تمتد جذورها إلى الأرض. فقد لاحظ كثيرون وجود فجوة متزايدة بين ما يقوله الناس في المدن والقرى، وما تعرضه تلك القنوات عبر شاشاتها. بدا واضحاً أن ثمة انفصالاً يكبر بين المواطن السوداني الذي يعيش تحت وطأة الحرب، وبين الإعلام الذي يكتفي بترديد روايات معينة حتى لو اصطدمت بما يراه المشاهد يومياً.

لم تكن المشكلة في الانحياز السياسي بحد ذاته، بل في تغييب المعاناة الإنسانية عبر إعادة تدوير روايات مجتزأة. ففي الوقت الذي كانت فيه مدن سودانية عديدة تنهار تحت ضربات الهجمات، من الكومة إلى نيالا ومن مليط إلى طرة ومن الفاشر إلى الجزيرة وكردفان والنيل الأبيض ومناطق أخرى، ظلت بعض القنوات تتجاوز تلك المآسي وكأنها أحداث ثانوية لا تستحق التوقف عندها. وكان من الطبيعي أن تنغرس في ذاكرة الجمهور أبيات الشعر التي تلخص هذا النوع من الإصرار على إنكار الواقع:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد.

لقد أعادت تقارير سكاي نيوز عربية ضبط بوصلة المهنية في المشهد الإعلامي السوداني. فقد نقلت شهادات الناس مباشرة، وفتحت مساحات للضحايا وأصحاب المآساة، واستندت إلى مصادر حقيقية من داخل الميدان. لم تلوّن الصورة، ولم تفرغها من مضمونها، ولم تجعل من الحرب مادة لتصفية الحسابات. وفي هذا السياق، أصبح الفرق شاسعاً بين من يعتبر نقل الحقيقة واجباً مهنياً وبين من يعتبرها فرصة لتعزيز رواية تخدم أهدافاً سياسية.

وتكشف هذه التجربة أيضاً تطور ذائقة الجمهور السوداني. فالسوداني اليوم ليس متلقياً ساذجاً أو سهلاً، بل هو جمهور خَبِر الإعلام خلال سنوات طويلة، ويمتلك حساسية عالية تجاه التضليل والانحياز. يستطيع أن يميّز بين الصورة التي تولد من الميدان، والصورة التي تولد من أجندة. ولعلّ هذا ما يفسّر الترحيب الكبير الذي حظيت به تغطية سكاي نيوز عربية في الفاشر، إذ وجد الناس فيها ما يفتقدونه من القنوات الأخرى: صوت الواقع لا صوت الاصطفاف.

إن الإعلام لا يُقاس بادعاء الحياد، بل يُقاس باحترام الحقيقة والإنصاف. وهذا ما افتقرت إليه بعض القنوات التي بدت مشدودة إلى زاوية واحدة مهما تغيّر المشهد. وقد لخّص أحد أبيات الشعر تلك الحالة بدقة متناهية:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا.

إن الفرق بين الإعلام والدعاية، مهما ضاقت المسافة، يظل واضحاً: الإعلام يسعى إلى الصورة الكاملة، والدعاية تقتات على الجزء الذي يخدم غايتها. وقد كان واضحاً في التجربة الأخيرة أن سكاي نيوز عربية اختارت الطريق الصعب، طريق الوقوف في الميدان، بينما اختارت قنوات أخرى طريقاً أسهل، طريق تفسير الواقع من بعيد، حتى لو كان ذلك التفسير مناقضاً لما يحدث فعلياً.

لقد كانت زيارة سكاي نيوز عربية إلى الفاشر أكثر من مجرد تغطية؛ كانت مرافعة صريحة عن حق الناس في أن تُروى قصتهم بصدق. كانت شهادة على أن الإعلام الشريف ما يزال ممكناً، وأن الثقة لا تُمنح من فراغ بل تُكتسب في الأماكن التي تُصنع فيها الأحداث. وقد أثبتت التجربة أن الثقة تُبنى في الميدان، وتُهدم في غرف الدعاية، وأن الحقيقة، مهما حاول البعض الالتفاف عليها، تظل أقوى من كل السرديات المصنّعة.

وهكذا، أعادت سكاي نيوز عربية الاعتبار لدور الإعلام كعين الناس وصوتهم، وقدّمت درساً واضحاً مفاده أن الحقيقة لا تُصنع من وراء الزجاج، بل من قلب المعاناة. وأن من يذهب إلى الميدان يعرف أن الحقيقة – مهما كانت ثقيلة – تظل أكثر إشراقاً من أي أضواء اصطناعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!