رأي

سكاي نيوز عربية تصل الفاشر… حضور ميداني يعيد صياغة الثقة بالإعلام

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

يظل الإعلام الميداني أحد أكثر أدوات كشف الحقيقة تأثيراً، خاصة في البيئات التي يختلط فيها الواقع بالروايات المتصارعة. وفي هذا الإطار، شكّل وصول قناة سكاي نيوز عربية إلى مدينة الفاشر حدثاً بارزاً أعاد الاعتبار لفكرة التغطية المباشرة من قلب مناطق النزاع، ولفت الأنظار إلى أهمية أن تتقدم الكاميرا نحو الواقع بدلاً من الدوران حوله من بعيد.

الحضور الميداني للقناة لم يكن مجرد تغطية عابرة، بل خطوة ذات دلالة عميقة في لحظة تتطلب قدراً كبيراً من المصداقية والانضباط المهني. فالفاشر، التي ظلت محاطة بالأسئلة والظلال وعناوين الحرب، تحتاج إلى من ينقل صورتها كما هي، لا كما تُروى. ولهذا جاء وصول فريق سكاي نيوز إلى داخل المدينة ليضع أمام المتابعين مشهداً مختلفاً: مشهداً يخرج من استديوهات بعيدة ليقف وسط الناس، ويسمع ما يقولونه دون وسيط.

وما منح التغطية بعدها الإنساني والميداني هو ظهور المذيعة تسابيح مبارك من شوارع الفاشر، وهي خطوة احتفى بها الأهالي بشكل عفوي، لأنها كسرت حاجز الانقطاع الطويل بينهم وبين الإعلام العربي. فقد بدت تسابيح، بوجودها وسط الأسواق والطرق والمرافق العامة، أقرب إلى مرآة تعكس حياة المدينة كما يعيشها سكانها، لا كما تُقدَّم في التقارير المكتوبة أو التصورات البعيدة.

قدرتها على الحوار المباشر مع المواطنين، ومرونتها في التعامل مع الظروف الأمنية والإنسانية المتوترة، أسهمتا في إحياء ثقة الناس في قيمة التغطية الميدانية. فظهورها لم يكن مجرد أداء إعلامي تقليدي، بل تجسيداً لمفهوم أن الصحفي الحقيقي يذهب إلى حيث تتشكل القصة، لا يكتفي بإعادة صياغتها من مسافة آمنة. ولهذا بدا حضورها مشحوناً بدلالات مهنية تؤكد أن الإعلام، عندما يُمارس بجرأة وانضباط، يصبح جزءاً من الشهادة على الحدث.

أهم ما حققته تغطية سكاي نيوز عربية في الفاشر هو كسر العزلة المفروضة على المدينة. فالمشهد الذي قدّمته القناة—الأسواق التي تستعيد حركتها، العائلات التي تحاول إعادة ترتيب حياتها، والوجوه التي تنهض رغم التعب—أعاد للناس في الداخل شعوراً بأن صوتهم يُسمع، وللناس في الخارج رؤيةً واقعية لما يجري، بعيداً عن المبالغة أو النقصان.

كما أن طريقة عرض التقارير، القائمة على نقل التفاصيل الصغيرة التي تهملها التغطيات البعيدة، أكسبت المشاهدين فهماً أعمق لطبيعة الحياة اليومية في المدينة. فليس من السهل أن تُظهر الفاشر بهذا القدر من الوضوح وسط ظرف ميداني معقد، لكن الحضور المباشر للقناة ومذيعتها منح الصورة صدقية عالية.

ولعل ما ميّز هذه التغطية أيضاً أنها لم تُقدَّم بوصفها انتصاراً إعلامياً، بل كواجب مهني وإنساني تجاه منطقة تحتاج إلى أن تُرى وتُسمع. فقد تعامل الفريق مع مهمته بحساسية واضحة، بعيداً عن الاستعراض أو المبالغة. وهذا ما جعل التفاعل الشعبي معها يتجاوز الإعجاب ليصل إلى الشعور بأن الإعلام يمكن أن يكون شريكاً في نقل معاناتهم، لا مجرد مراقب خارجي.

تسابيح مبارك، بظهورها في الفاشر، قدمت نموذجاً للصحفي الذي يضع سلامته الشخصية خلف مسؤولياته المهنية دون أن يغامر بغير ضرورة، لكنها أثبتت أن الاقتراب من الناس يمنح التغطية قوة لا تمنحها أي إضافة تقنية. كان حضورها كافياً ليقول إن الإعلام، حين يتحرك بثقة واحترام للمكان، يستطيع أن يعيد صياغة الرواية العامة حول ما يحدث.

إن خطوة سكاي نيوز عربية تمثل نقطة تحوّل في شكل التغطية الإعلامية للحرب في السودان، لأنها أعادت وضع المشاهد أمام حقيقة بسيطة: أن الواقع لا يمكن فهمه إلا حين يُرى من داخله. وظهور تسابيح مبارك لم يكن مجرد خبر، بل لحظة مهنية فارقة أعادت التذكير بأن نقل الحقيقة يبدأ من الميدان، وأن صوت المدن المنسية يستحق أن يصل كما هو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!