رأي

نيالا تنهض من الرماد: من مدينةٍ أنهكتها الحرب إلى عاصمةٍ تبعث الحياة من جديد

عبد الناصر آدم حمزة..ود الشهيد

 

عبدالناصر آدم حمزة (ود الشهيد)

في قلب غرب السودان، حيث تمتزج الجبال بالسهول وتتعانق الثقافات المتعددة في لوحةٍ إنسانيةٍ فريدة، تقف مدينة نيالا شامخة رغم الجراح، ترفض أن تُهزم أمام نيران الحرب التي حاولت أن تطفئ بريقها.

نيالا، أو كما يحب أهلها أن يسمّوها “نيالا البحير غرب الجبيل”، لم تكن مجرد مدينةٍ عادية في جغرافية السودان، بل كانت وما زالت مرآةً مصغّرة للوطن بأكمله، تنبض بالحياة، وتجمع في ملامحها تنوّع الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتعبّر عن وحدةٍ سودانيةٍ أصيلة ظلّت تميّزها عبر العقود.

قبل الحرب، كانت نيالا من أنشط المدن تجاريًا واجتماعيًا، حيث ازدحمت أسواقها بالحركة، وامتلأت شوارعها بضحكات الأطفال وصخب المارة. كان الناس يتباهون بجمالها الطبيعي، بنخيلها ووديانها ودفء ناسها، وبكونها مركز إشعاعٍ ثقافي وحضاري في إقليم دارفور. غير أن رياح الحرب اللعينة التي اجتاحت البلاد لم تترك هذه الجوهرة دون أن تنال منها؛ فقد عرفت نيالا وجه الدمار كما لم تعرفه من قبل.

في ذروة المواجهات، تحولت المدينة إلى مسرحٍ للرصاص والقصف الجوي. البنية التحتية تهاوت تحت وطأة الصواريخ، وانهارت المرافق الخدمية الأساسية، وتوقف النشاط التجاري تمامًا. حتى شوارعها الجميلة غمرتها حشائش الخريف المهملة، وبدت كمدينةٍ خرجت من تحت الرماد.

أعمدة الكهرباء المدمّرة اصطفت على الطرقات كشهودٍ على قسوة الأيام، والبيوت المثقوبة بالرصاص تحكي حكاية الفقد والمعاناة. رائحة الدم والبارود كانت تملأ الأجواء، والموت كان ضيفًا دائمًا في الأزقة. عاش أهل نيالا ليالي طويلة من الجوع والخوف والعزلة، بعد أن انقطعت عنها الإمدادات وغابت الخدمات.

لكن هذه المدينة، التي تشرّبت من ترابها روح المقاومة والصبر، لم تعرف الهزيمة يومًا.

ما أن انقشعت غمامة الحرب وسقطت الفرقة العسكرية المسيطرة في أكتوبر 2023، حتى بدأت ملامح الحياة تعود شيئًا فشيئًا.

عاد النازحون إلى منازلهم رغم الخراب، وأعادوا ترتيب أحجار بيوتهم، وغسلوا شوارعهم بعرق الأمل.

تكوّنت إدارات مدنية من أبناء المدينة، تحملت مسؤولية إعادة البناء وتأمين الخدمات، فكانت الشرارة الأولى لمرحلة التعافي الحقيقي.

وجاء إعلان حكومة تأسيس واختيار نيالا عاصمةً لها بمثابة ميلادٍ جديد للمدينة.

بدأت الطرق تُنار من جديد، والمستشفيات تُفتح أبوابها، والمدارس تستقبل أطفالها بعد غيابٍ قاسٍ.

تدفقت المساعدات، وبدأت حركة التجارة تدبّ في أسواقها، وعاد الأمل يلوح في وجوه أهلها الذين اعتادوا أن يبتسموا رغم الوجع.

اليوم، نيالا ليست فقط مدينةً تتعافى، بل رمزٌ للصمود السوداني، ودليلٌ على أن ما تهدم يمكن أن يُبنى، وما احترق يمكن أن يزهر من جديد.

إنها مدينة خرجت من بين الركام لتعلن أن إرادة الإنسان أقوى من الحرب، وأن العزيمة الصادقةط قادرة على صنع المعجزات.

من رماد الدمار، تنهض نيالا بعزيمة أبنائها وصدق انتمائهم، تسير بخطى واثقة نحو مستقبلٍ مشرقٍ يعيد إليها بريقها القديم ويجعلها منارةً للسلام والإعمار في غرب السودان.

وما ذلك على أهلها بعزيز، فـ”نيالا البحير” كانت وما زالت عنوانًا للحياة… مهما عصفت بها العواصف.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!