رأي

سودانٌ تائه بين الموروث والمستقبل: حين تصطدم الحداثة بجدار التقليدية

عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة …بنسلفانيا

من يتأمل المشهد السوداني اليوم، يدرك أن الأزمة التي تعصف بالبلاد ليست وليدة الصراع المسلح أو الانقلابات المتكررة، بل هي في جوهرها أزمة هوية ووعي بين قوى تسعى إلى إعادة صياغة الدولة على أسس مدنية حديثة، وأخرى تستمد شرعيتها من التاريخ الاجتماعي والديني والقبلي.

لقد فشلت النخب السودانية، منذ فجر الاستقلال، في تفكيك البنية التقليدية التي حكمت علاقات السلطة والثروة. فبدل أن تُبنى الدولة على مفهوم المواطنة والمؤسسات، تشكّل الفعل السياسي حول الولاءات الضيقة والروابط القديمة التي ما تزال تتحكم في العقل الجمعي.

كل محاولة لتأسيس مشروع وطني حديث اصطدمت بممانعةٍ من القوى التقليدية التي رأت في خطاب التحديث تهديدًا لمكانتها ومصادر نفوذها.

والمفارقة أن دعاة التحديث أنفسهم لم يكونوا على قلبٍ واحد. فبعضهم حمل خطابًا علمانيًا طموحًا، وآخرون سعوا إلى مواءمة الحداثة مع الدين، لكنهم جميعًا تعثّروا أمام واقعٍ اجتماعيٍ صلبٍ لا يقبل التحوّل السريع. ومع الوقت، وجد هؤلاء أنفسهم محاصرين بين منابر الطوائف ومجالس الزعامات الأهلية، فعجزوا عن بناء قاعدة جماهيرية راسخة.

وحين انسدّ أفق التغيير عبر الوسائل المدنية، لجأت القوى الحديثة إلى الجيش باعتباره أداة للتصحيح. لكن المفارقة التاريخية الكبرى أن الجيش، الذي ظنّوه وسيلة للتحرر من قبضة التقليد، تحول هو نفسه إلى أداةٍ لإعادة إنتاجه. فكل انقلابٍ عسكريٍّ رفع شعارات التحديث، انتهى بإعادة تدوير الولاءات القديمة تحت شعاراتٍ جديدة.

ومع مرور الزمن، تآكلت فكرة الدولة الوطنية لصالح توازناتٍ قبلية ودينية واقتصادية متداخلة، حتى غدا الولاء للكيان الصغير أقوى من الانتماء للوطن الكبير. في هذا السياق، فشلت النخب الحداثية في إدراك أن المجتمع لا يُقاد بالشعارات بقدر ما يُقنع بالقدوة وبالقدرة على تحسين الحياة اليومية للناس.

إن مأزق الحداثة في السودان لا يكمن فقط في مقاومة القوى التقليدية، بل في ضعف الخيال السياسي للنخب نفسها، التي ظلت تراهن على الحلول الفوقية والانقلابات المفاجئة دون بناء مؤسساتٍ قاعديةٍ راسخة.

وهكذا ظل المشروع الحداثي في السودان يدور في حلقةٍ مفرغة: كلما اقترب من الانتصار، سقط في فخ تحالفاتٍ اضطراريةٍ مع قوى الماضي.

اليوم، وبعد أن تهاوت الأيديولوجيات، لا يبدو أن الخلاص ممكن من دون تسويةٍ تاريخية تدمج التراث في مشروع وطني جديد. فالمستقبل لا يُبنى على نفي الماضي، بل على تجاوزه بعقلٍ مفتوحٍ ورؤيةٍ جامعة.

الحداثة ليست خصمًا للدين أو العشيرة، بل هي سعيٌ لتحديثهما في إطار دولةٍ مدنيةٍ عادلة.

ربما تكون الفرصة لا تزال قائمة، إن تواضعت القوى السياسية على مشروع وطني يُعيد الاعتبار للمؤسسات ويُحرر الجيش من عباءة السياسة، ويجعل من السودان وطنًا يليق بتنوعه الثرّ وتاريخه العريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!