رأي

السلطان أحمد؛ حفيد السلطان علي دينار… حيث كسوة الكعبة المشرفة

عباس أحمد السخي

 

عباس أحمد السخي

السلطان أحمد علي دينار، حفيد السلطان التاريخي علي دينار صاحب الموقف الخالد وكسوة الكعبة المشرفة، ليس مجرد امتداد لاسمٍ ملكي عريق، بل هو امتداد لجذور ضاربة في التاريخ، تعاقبت عبرها أجيال من الرجال الذين أثّروا في الوجدان السوداني والإنساني بحكمتهم ورجاحة عقولهم وصلابة مواقفهم. ولأن التاريخ لا يورّث الأسماء فقط، بل يورّث القيم أيضاً، حمل السلطان أحمد جينات القيادة التي طبعت أسرته، فانعكس ذلك على شخصيته الهادئة العميقة، وعلى رؤيته التي تضع مصلحة الإنسان السوداني في مقدمة الأولويات.

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب التي عصفت بالسودان، اتخذ السلطان أحمد موقفاً مختلفاً عن كثيرين، موقفاً يتّسق مع إرثه الأخلاقي والوطني. رفض الانخراط في ضجيج الدعاية والاستقطاب، ولم يسمح لنفسه بأن يكون جزءاً من صراع أعمى تتلاشى فيه الحدود بين الحق والباطل. وقف بوضوح إلى جانب حق الشعوب السودانية في حياة يسودها السلام والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، مؤكداً أن الحرب ليست طريقاً إلى الحرية أو السيادة، وإنما هي بوابة للفوضى ودمار البلاد. كان صوته منذ البداية ثابتاً: لا حرب، ولا مساومة على كرامة الناس.

ولم يقف موقفه عند حد التعبير الأخلاقي، بل بذل جهوداً واسعة على المسارين الإقليمي والدولي، مستفيداً من شبكة علاقاته المتميزة مع شخصيات ودول ومنظمات، في محاولة صادقة لوقف النزيف السوداني. وقد سبق كثيرين في قراءة طبيعة الحرب وأهداف من يقفون خلفها، فوصفها بدقة بأنها حرب عبثية لا نفع فيها للوطن، وإنما تخدم جشع وطمع بعض المتنفذين المحسوبين على تيار الإسلام السياسي. هذا التحليل المبكر لم يأتِ من فراغ، بل من فهم عميق لطبيعة القوى التي تعمل في الظل وتدفع البلاد نحو الهاوية.

ويمثل موقف السلطان أحمد امتداداً طبيعياً لموقف جده السلطان علي دينار، الذي رفض الخضوع للاستعمار ودافع عن سيادة دارفور حتى اللحظة الأخيرة. فالقيمة المركزية التي حكمت حياة الجد وحياة الحفيد معاً هي سيادة الأرض وكرامة الإنسان. وقد ظل السلطان أحمد على هذا النهج، رافضاً كل أشكال الارتهان للقوى الداخلية أو الخارجية التي تسعى إلى استغلال الحرب لتفتيت البلاد أو السيطرة عليها عبر بوابات الشعارات الزائفة. لم يتردد لحظة في إعلان أن السودان أرض سيادة لا تقبل المساومة، وأن من يتاجرون بخداع الناس أو يستدعون الجيوش الأجنبية لا يمثلون إلا أنفسهم.

ومع تراكم مواقفه الوطنية الشريفة، ازدادت مكانة السلطان أحمد في نفوس شعوب دارفور بكل أطيافها وقبائلها، فوجد فيه الناس قائداً وطنياً لا قائداً قبلياً، ورمزاً جامعاً لا طرفاً من أطراف الصراع. اكتسب احتراماً واسعاً لأنه لم يتحدث لغة المصالح الضيقة، بل تحدث لغة الوطن، ولأنه لم يرفع راية سوى راية السلام والعدل، فكان صدى صوته يتجاوز حدود دارفور إلى كل السودان. وفي زمنٍ اهتزت فيه الثقة في كثير من الشخصيات العامة، بقي السلطان أحمد نموذجاً للرجل الذي يضع البلاد قبل ذاته، والإنسان قبل السياسة، والحق قبل كل شيء.

إن الحديث عن السلطان أحمد هو حديث عن امتداد تاريخي وروحي، يبدأ من السلطان علي دينار ولا ينتهي في محطات الحاضر. هو امتداد لقيم كسوة الكعبة المشرفة، رمز العطاء السوداني الأصيل، وامتداد لروح المقاومة ضد المستعمر، وامتداد لقيادة تبني على الحكمة لا على القوة، وعلى العدالة لا على الاستقطاب. ولأن المجد لا يُصنع بالخطابة، بل يُبنى بالمواقف، فإن المجد للسلطان علي دينار باقٍ، والمجد لأحفاده الأماجد الذين ظلوا أمناء على إرث أجدادهم، ثابتين على مبدأ الحق، متمسكين بسيادة الأرض، وحاملين شعلة السودان الذي يستحق السلام لا الحرب، والعدل لا الظلم، والكرامة لا المهانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!