رأي

مستنفر يقتل خمسة من أقاربه بينهم عماته وأعمامه؛ المنظور الأمني لهذه الفاجعة 

الخبير الأمني د. مجدي شريف

 

 الخبير الأمني د. مجدي شريف

تشكّل هذه الفاجعة التي أقدم فيها أحد المستنفرين على قتل خمسة من أفراد أسرته، بينهم أعمامه وعماته، نموذجاً بالغ القسوة لما آل إليه حال السودان في ظل الحرب المشتعلة، وانهيار منظومة الأمن، وتصدّع السلم المجتمعي، وتفشي خطاب الكراهية، وانتشار السلاح بلا ضابط ولا رادع. هذه الحادثة المروعة ليست حادثاً جنائياً يُضاف إلى سجل الجرائم، بل هي مرآة كاملة تعكس حجم التشظي الذي أصاب المجتمع، والاحتقان الذي نخر في النفوس، وفوضى التشريعات التي فتحت الأبواب واسعة أمام تصفية الحسابات وإسكات الخصوم عبر تهم جاهزة لا تستند إلى بينة أو دليل.

تبدأ القصة من اتهام موجّه لوالدة الشاب المستنفر، بأنها تتعاون مع قوات الدعم السريع، في واحدة من محاكم تفتيش النوايا التي انتشرت كالنار في الهشيم، وصار الناس يُرمَون فيها بالباطل على أساس الشكوك والظنون والعداوات الشخصية. لم يعد الأمر مقتصراً على اتهامات الدولة أو الأجهزة العسكرية، بل أصبح بعض المواطنين أنفسهم يستخدمون تهمة “التعاون مع الدعم السريع” كأداة للنيل من خصومهم أو لتصفية حسابات قديمة، مستغلين وجود قانون أعرج صُمّم ليبطش بالمخالفين دون اشتراط دليل موثق أو بيّنة قانونية معتبرة. وهكذا وجدت والدة الشاب المستنفر نفسها في مواجهة تهمة خطيرة، مجردة من الضمانات القانونية، ومحاطة بأجواء توتر تُصنع فيها الإدانات قبل سماع الدفاع.

التفاصيل تشير إلى أن من تمت تصفيتهم برصاص هذا المستنفر كانوا من الشهود الذين أدلوا بشهاداتهم في محكمة صورية أصدرت حكماً بالإعدام شنقاً بحق والدته، بناءً على شهادات لا يُستبعد أنها جاءت تحت تأثير النزاعات الأسرية أو الضغائن أو الرغبة في التخلص من امرأة لا تمتلك من يحميها أو يدفع عنها الظلم. أمام هذه الشهادات التي اعتبرها الشاب “زوراً”، وفي ظل مناخ يضج بالغليان وفقدان الثقة في العدالة، اندفع ليأخذ القانون بيده، فاستل سلاحه وصوّب نيرانه نحو أقرب الناس إليه. مأساة تتكثف فيها طبقات الألم: شاب فقد إيمانه بالقضاء، وأسرة مزّقتها الحرب وأرهقتها الاتهامات، ومجتمع بات الموت فيه أقرب إلى الناس من العدالة، وسلاحٌ متاح لمن يشاء يستخدمه عند أول انفجار غضب.

 

تفرض هذه الحادثة الأسئلة الكبرى التي ظل الخبراء يحذرون منها منذ سنوات: إلى أين يمكن أن يصل مجتمع تنتشر فيه الأسلحة بين الأيدي بلا ضوابط؟ ماذا يحدث حين تتداخل الخصومات العائلية مع الحرب، فيتحول السلاح إلى أداة لتصفية الحسابات وتزكية روايات الثأر؟ ما الذي يبقى من الدولة عندما يستبدل الناس القضاء القانوني بمحاكم التفتيش، وتتحول التهم إلى أدوات جاهزة للنيل من الخصوم أو تحقيق المكاسب؟ هذه الفاجعة تذكّر السودانيين بأن انتشار السلاح يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي ولتماسك المجتمع، وأن أخطر ما في السلاح ليس وجوده فقط، بل وجوده في بيئة مضطربة تتلاشى فيها سلطة القانون ويعمّ فيها خطاب التحريض والشك المتبادل.

كما تفتح هذه القضية الباب واسعاً للحديث عن الكارثة النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب. فالسودان اليوم يقف في درك أسفل من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي، حيث تتآكل المنظومة القيمية التي كانت عصيةً على التهشيم لعقود. الحرب التي أشعلتها الطموحات الشخصية والجشع السياسي جرّت البلاد إلى هاوية تُقتل فيها الأمهات بالشبهة، ويُستباح فيها الدم، ويُستبدل فيها القانون بالاتهامات الجاهزة، وتنهار فيها الأواصر الأسرية نفسها التي كانت آخر خطوط الدفاع أمام انهيار المجتمع. وما هذه الجريمة إلا صرخة عالية تنبّه بأن السلم المجتمعي لم يعد في خطر فقط، بل أصبح على شفا الانهيار الكامل، وأن الأمن الشخصي لكل فرد بات مهدداً في بيته وبين أقرب أقربائه.

وتكشف الفاجعة أيضاً أن الحرب لم تدمّر الحجر فقط، بل دمّرت الإنسان السوداني وجرّدته من الأمان النفسي، ومن القدرة على التفكير العقلاني، ومن الثقة في مؤسسات الدولة، ومن الإحساس بأن هناك مظلة قانونية تحميه. في مثل هذا الواقع يصبح كل شيء ممكناً: الاتهام بلا دليل، والقتل بلا حساب، والاعترافات المصنوعة تحت الضغط، والأحكام التي تصدر بأثر الخصومات القديمة. وهذا هو جوهر الانهيار المجتمعي الذي يدركه أهل الخبرة والعقل جيداً، ويعلمون أن الخروج منه يتطلب إعادة بناء الدولة من أسسها، وإعادة ضبط السلاح، وإعادة الاعتبار للقانون.

وفي نهاية المطاف، تقف هذه الجريمة شاهداً دامغاً على حقيقةٍ واحدة لا يمكن الالتفاف حولها: لا سبيل لإنقاذ السودان إلا بوقف هذه الحرب، وفي أسرع وقت ممكن. فكل يوم تستمر فيه، تنتج مأساة جديدة، وتتكاثر الفواجع، ويتحوّل المجتمع شيئاً فشيئاً إلى ساحة مفتوحة للانتقام والكراهية والقتل. إن دماً سال في بيت واحد بهذه الصورة يمكن أن يُسال في آلاف البيوت إن بقيت الحرب مشتعلة. ولذلك فإن إطفاء نارها ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية وإنسانية وأخلاقية لحماية ما تبقّى من هذا الوطن ومن إنسانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!