رأي

التجربة المسيلمية!

منعم سليمان

 

منعم سليمان

أمس زار الفريق البرهان منطقة السريحة بولاية الجزيرة، ومن هناك أعلنها بكل وضوح: لا هدنة، لا تفاوض، لا سلام، مؤكدًا أن الحرب ستستمر حتى القضاء على قوات الدعم السريع كاملة، وأن خاتمتها لن تكون في الخرطوم ولا الجزيرة، بل في دارفور.

وهكذا، وبالوضوح ذاته الذي يحمل رائحة التحدي، اختار الرجل طريقه، وأدار ظهره لأنين الأبرياء الذين يقفون في طوابير الموت جوعاً ومرضاً ، بينما يطالب العالم بهدنة إنسانية تُدخل الغذاء والدواء إليهم. لقد كانت كلماته إعلاناً صريحاً برفض السلام والإصرار على مواصلة الحرب.

والواقع يؤكد، مرة بعد أخرى، أن البرهان ليس صاحب القرار؛ فهو فرد في جماعة، والحركة الإسلامية هي اليد التي تحركه، والظل الذي يبتلعه. وما من خطوة يخطوها إلا وهي خطوة أمليت عليه!

وفي ظل هذا الوضع، يصبح من المحال أن يوقف البرهان الحرب وحده وباختياره؛ فالجماعة التي يرتبط بها لم تشعل النار لتطفئها، بل لتعود فوق رمادها إلى السلطة.

وللدقة أكثر، فإن البرهان ليس فقط مجرد دمية تُحرك؛ بل هو شريك بنسبة أصغر، يُعاد تشكيله ليملأ الفراغ الذي خلّفه البشير، وفق الخطة القديمة ذاتها القاضية بتغيير رأس النظام والإبقاء على الجسد.

وهي الخطة التي بموجبها جِيء به بديلًا لابن عوف إبّان اعتصام الجماهير أمام قيادة الجيش حين خُدعت الثورة، وتعذّر تنفيذ الخطة آنذاك، فحُفظت في الأدراج… وها هي اليوم تُنفّذ كاملة.

ثم لماذا يوقف البرهان وكيزانه الحرب أصلًا؟

فقد نُقلت الحرب بدقة فائقة، كما خُطِّط لها، إلى غرب السودان، وهو إقليم لا يدخل في خريطة سودان الكيزان، سودانهم الذي يسمّونه – كما تسميه الدولة التي تشاركهم في نهبه:”السودان المفيد”!

في نهاية عام 2023 حين اندفعت قوات الدعم السريع نحو ولاية الجزيرة، والحرب في شهرها السابع، كان ذلك فخاً محكماً؛ إذ كانت تلك القوات تتجه شمالًا نحو قلب نفوذ الحركة الإسلامية في ولاية نهر النيل.

ولو أن قوات الدعم السريع واصلت ذلك الطريق، لكانت الولاية الشمالية قد انهارت في أسابيع. لكن الجزيرة قُدّمت كطُعم، فابتلعته “الدعم السريع”، وسارت في طريق مقطوع، فأصبحت كالمنبت: لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!

وأجزم قاطعاً: لو أن قوات الدعم السريع لم تبتلع طُعم الجزيرة وقتها، لما أكملت الحرب عامها الأول، ولما وجد من يمولها أوقية ذهب واحدة يواصل بها هذه المعركة، ولتوقف من يدعمونها الآن (من الخارج!) حين يستشعرون خطر فقدان الذهب .. والماء!

هناك جانب خفي في هذه الحرب، يعرفه الجميع ويتجاهله الجميع، وهو البعد الجهوي والعرقي. فالحركة الإسلامية السودانية، على خلاف سائر حركات الإسلام السياسي في العالم، حركة عنصرية بامتياز.

والكيزان، دون غيرهم من السودانيين، عنصريون وجهويون أقحاح، منغلقون على إثنية وجغرافيا محددة في شمال البلاد، وخاصة في ولاية نهر النيل.

وهم أقلية تحرس امتيازاتها بادعاء القداسة؛ احتكروا الدين، ثم مضوا أبعد من ذلك، فزرعوا شجرة “نسب” سقوها بالأكاذيب، يصل جذرها النهائي إلى العباس بن عبد المطلب!

ولا أعرف ماذا نفعل لو أردنا أن نقنع عربياً عارباً من جزيرة العرب بأن عمر البشير – ذلك الأسود أفطس الأنف أجعد الشعر – من أكفائهم، ومن سلالة نبيهم ونبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم!

ولو كان عمر البشير، وعلي عثمان، وعلي كرتي من سلالة بيت النبوة، فمن الذين هم من سلالة بيوت الرذيلة؟

إن الحقيقة الصلبة التي يجب أن يستوعبها العالم هي:

لا نهاية لهذه الحرب ما دامت الحركة المسيلمية قائمة، ولا هدنة ما دام هذا الجيش الكيزاني قائماً بشكله الحالي، وما دام مسيلمة البرهان قائداً له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!