رأي

رؤية نحو بناء علاقات استراتيجية بين إسرائيل والسودان

د. ناصر ساتي

 

د. ناصر ساتي

   لا أشك أن إسرائيل دولة مهمة وذات نفوذ اقتصادي وسياسي وتكنولوجي متميز نوعياً، ويمكن أن يفيد السودان من هذا النفوذ إذا نظرت الدولة السودانية إلى العلاقات بين الدول في إطار المصالح الوطنية وليس من منظور أيديولوجي.

تاريخ العلاقات مع إسرائيل قديم، وقد مر بعدة مراحل، منها ما ظل علنياً ووصل إلى مستوى تقديم الدعم العسكري المباشر، كما حدث عندما سير الملك تهراقا حملة عسكرية لفك الحصار الذي ضربه الآشوريون على أورشليم عندما استنجد به الملك حذقيا.

كما أن آثار السودان وتاريخه يؤكدان وجود بني إسرائيل في بلاد النوبة السفلى، حيث تم العثور على وثائق تجارية واجتماعية تنم عن تعايش وتسامح في جزيرة فيلة النوبية في القرن الخامس قبل الميلاد. كما أن النوبة العليا شهدت تواجداً لهم في قرية صلب، سيما معبد صلب الذي يقف شاهداً على ذلك بنقشه المشهور الذي نصه يقول حرفياً:

“أرض شاسو جماعة الإله ياهو”،

والنقش يؤرخ بـ1400 قبل الميلاد.

إذن، تاريخياً هناك ما يؤكد وجود روابط وعلاقات طبيعية يمكن أن يبني السودان عليها ويستثمرها جيداً، فالتاريخ ليس أحداثاً انتهت لا تصلح إلا للسرد، فقد تخطى العالم هذا الفهم وانتقل إلى مرحلة فلسفة التاريخ، وهو ما يعرف بمنفعة التاريخ.

ولكن لأن السودان لا يملك دولة بمفهوم المصالح، فقد دخل في مواجهات خاسرة دفع ثمنها الوطن دون أن يتعظ الساسة جيلاً بعد جيل، ودون أن يسأل أي جيل من السياسيين نفسه: ماذا جنى الوطن من حالة العداء مع إسرائيل؟

لم يجن السودان غير شد أطرافه أو بتر جزء عزيز منه، وقد تستمر عملية شد الأطراف أو بتر أجزاء أخرى مع استمرار أدلجة الدولة لمنظور العلاقة مع إسرائيل.

لكن الآن، مع تطور الوعي الشعبي وفتح فضاءات ومساحات للنقاش وسط كثير من شرائح المجتمع، سيما الأكاديميين، وما صاحبها من مواقف إيجابية بشأن العلاقة مع إسرائيل، ومع هكذا تطور في الوعي السياسي يمكن بناء رؤية لعلاقة استراتيجية مع إسرائيل تضع مصالح البلاد والشعب فوق كل اعتبار.

ومن نافلة القول إنه ليس هناك ما يمكن أن يثير أي مخاوف دينية، إذ إن اليهودية ليست دين تبشير ولا دين دعوة بحيث تؤثر على عقائد الناس. دينياً، رسولنا الكريم كان يتعامل تجارياً مع يهود المدينة، وما قصة رهن درعه ببعيدة عن الأذهان.

يمكن تصور رؤية عملية في عدة محاور، وسوف نفرد مقالاً خاصاً لكل محور بالتفصيل مع استعراض بعض تجارب الدول. ويمكن أن نسلط الضوء في هذا المقال على رؤية محور الزراعة.

السودان يملك ما لا يقل عن 200 مليون فدان من الأراضي الخصبة، وبعضها بكر لم يتم استزراعه منذ كوش، مثل أراضي الحوض النوبي، إذ إن المياه قريبة من سطح الأرض على بعد شبر أو أقل تقريباً.

إسرائيل دولة مشهود لها بالتطور التكنولوجي في مجال الزراعة، وقد بزت كل الدول في مجالات أساليب الري المختلفة. والتصور يمكن أن يشمل إنشاء مراكز أبحاث زراعية مشتركة، ومشاريع ري حديثة، وتدريب المهندسين الزراعيين السودانيين.

إن التقاء التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية مع موارد السودان الطبيعية سيجعل من السودان فعلاً سلة غذاء العالم، وهناك تجارب كثيرة لفعالية التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية، مثل تجارب الهند والمغرب وموريتانيا، فقد حققت هذه الدول تطوراً في مجال الري بالتنقيط، وبعضها أنجز اكتفاءً ذاتياً، مثلما حققت الهند في بعض الجوانب، خاصة الفواكه والخضروات، وأصبحت قوة زراعية.

الهند تُعد من أكثر الدول التي استفادت من التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية، بل يُعتبر التعاون الزراعي بينهما من أنجح الشراكات الزراعية الإسرائيلية عالمياً.

فقد بدأ التعاون بشكل واسع منذ عام 2008 عبر مشروع Indo-Israel Agricultural Project، وتركّز على:

1- الري بالتنقيط

2- الزراعة الدقيقة

3- البيوت المحمية

4- إدارة المياه

5- تحسين إنتاج الفواكه والخضروات

6- تقنيات التسميد الذكي (fertigation)

ومن أهم ما حققته الهند في هذا الإطار:

– إنشاء أكثر من 30 مركز تميز زراعي في ولايات هندية مختلفة، مع خطط للتوسع إلى عشرات المراكز الأخرى.

– تدريب مئات الآلاف من المزارعين الهنود على التقنيات الحديثة مثل الري بالتنقيط.

– زيادة إنتاج بعض المحاصيل مثل الطماطم والفلفل والرمان والحمضيات والمانجو.

وقد وصل الإنتاج في بعض المناطق إلى زيادة تتراوح بين 20–40٪ خلال سنوات قليلة، بجانب تقليل استهلاك المياه بشكل كبير، خاصة في المناطق الجافة مثل راجستان وهاريانا وكارناتاكا، من خلال أنظمة الري الإسرائيلية.

وهناك وجه شبه بين المناخ في هذه المناطق الهندية وبعض أقاليم السودان أو مناطقه من حيث عوامل الجفاف، فيمكن استفادة السودان من التجربة الهندية مع هكذا أوضاع مناخية متشابهة.

إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل نقلت للهند خبرتها في الزراعة في البيئات الصحراوية، ولا ننسى أن لدينا صحارى ممتدة من غرب النيل حتى دارفور وكردفان، وكلها تحتاج إلى التكنولوجيا الإسرائيلية التي استفادت منها الهند.

إذ لا يعقل أن تظل هذه الصحارى جرداء منذ القرن الثامن قبل الميلاد، أي منذ كوش.

إن استفادة الهند لم تقف عند ذلك الحد، بل شملت إضافة كبيرة في إنتاج الشتلات عالية الجودة، واستخدام أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي في الزراعة وإدارة الآفات وتحسين جودة المحاصيل.

ومن النتائج المهمة أيضاً أن بعض مراكز التميز الهندية أصبحت تنتج ملايين الشتلات سنوياً للمزارعين المحليين، كما ارتفعت أرباح بعض المزارعين الذين استخدموا التقنيات الإسرائيلية، ويمكن مقارنة عدد المزارعين الهنود بعدد مزارعي السودان لتتضح مدى إمكانية استفادة المزارع السوداني أضعاف استفادة المزارع الهندي بسبب محدودية العدد في السودان، خاصة في الزراعة المحمية والري الحديث.

الهند لم تكن تعتمد فقط على الاستيراد، بل بدأت أيضاً تصنيع بعض التقنيات الإسرائيلية محلياً ضمن مبادرات “صنع في الهند”.

إذا كانت الهند بعدد سكانها الذي يبلغ أكثر من نصف مليار نسمة قد استفاد سكانها من التكنولوجيا الزراعية في فترة وجيزة، فتخيل معي كيف ستكون استفادة سكان السودان البالغ عددهم 40 مليون نسمة في فترة وجيزة!

خلاصة القول إن العلاقات مع إسرائيل مفيدة للسودان في هذا المجال، ولا يجب التفريط فيها مهما تعرض السودان لضغوطات إقليمية بسبب مصالح لا تخص مصالح بلادنا بل تخص مصالح تلك البلاد، خاصة جارة السوء.

قد يتساءل القارئ: وهل استفادت المغرب وموريتانيا مثل الهند حتى نقتدي بتجربتيهما؟

والإجابة هنا بسيطة، وهي أن موريتانيا والمغرب استفادتا فعلاً في تحسين الري، لكنهما لم تبلغا مستوى استفادة الهند بسبب دخول عامل الأيديولوجية العروبية في جوهر العلاقة مع إسرائيل، مما يعطل وعطل الاستثمار في هذا المجال في المغرب وموريتانيا.

التقصير لم يكن من الجانب الإسرائيلي، بل كان من الجانب الآخر، لذا حذارِ أن نقيس تجربتنا بتجربة فشل الآخر أو عدم استفادته، فليس من المنطق استنساخ أسباب تقصير الآخر أو قصوره أو فشله.

وعلى نقيض المغرب وموريتانيا، فإن الهند نظرت إلى العلاقة في إطار المصالح الاقتصادية بعيداً عن الأيديولوجيا، وهذا ما صنع نهضتها الزراعية، وهذا ما نحتاجه نحن في السودان.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!