رأي

من يتطاولون على الإمارات… بؤساء هربوا من جرائم إخوانهم ثم نصبوا أنفسهم قضاة على من احتضنهم

بروفيسور عبد الرحمن العمرابي

 

 بروفيسور عبدالرحمن العُمرابي

ليس غريباً أن يخرج البعض في شوارع أوروبا يصرخون باسم السودان ضد الإمارات. الغريب هو جرأتهم الأخلاقية على ادعاء تمثيل شعبٍ هم أول من هرب منه، وجرأتهم السياسية على مهاجمة دولة لم تتورط يوماً في دمهم، بينما القتلة الحقيقيون معروفون لكل سوداني منذ أربعين عاماً. فقبل أن يرفع هؤلاء رايات “السيادة” الكاذبة، عليهم أن يراجعوا الحقيقة التي تفضحهم: من قتل السودانيين وشردهم ونهبهم واغتصب نساءهم وفتح بيوت الأشباح وعذب الشباب وكمم الأفواه واستباح الوطن… كانوا سودانيين مثلهم، من بني جلدتهم، ممن حكموا السودان باسم الإسلام والتمكين والقهر، وليسوا إماراتيين ولا خليجيين ولا أجانب.

هذه الحقيقة مرة، نعم، لكنها الحقيقة التي يهرب منها هؤلاء لأنهم لا يملكون شجاعة مواجهة أنفسهم. يريدون عدواً خارجياً يعلقون عليه عجزهم وفشلهم وخرابهم الداخلي، وكأن السودانيين نسوا أن آلة التعذيب التي عُذِّبوا فيها صنعها إسلامويون وسودانيون، وأن بيوت الأشباح التي كتمت أنفاس الأحرار وقعت في الخرطوم، لا في أبوظبي، وأن السجون التي امتلأت بالشرفاء كان مفاتيحها في يد سودانيين، وأن الدم المسفوح في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة كان بأمر سودانيين، لا إماراتيين.

الذين يشتمون الإمارات اليوم هم أنفسهم الذين عاشوا على أرضها وأكلوا من خيرها وعملوا في أمنها وتعلمت أولادهم في مدارسها، ثم خرجوا لينكروا فضلها. لا يتذكرون أن الإمارات كانت ولا تزال أكبر داعم إنساني لدارفور، وأنها ساهمت في مشاريع خيرية وإغاثية في السودان، وأنها لم تتورط في صراعاتنا الداخلية ولم تشعل حرباً ولم تموّل مليشيات. كل هذا معلوم وموثق في تقارير الأمم المتحدة، وفي سجلات الهلال الأحمر الإماراتي، وفي الملفات الإنسانية المفتوحة منذ 2004.

أما من يقفون اليوم يشتمون الإمارات من شوارع برلين ولندن وباريس، فهم في الأصل ضحايا مشروع الخراب الإسلاموي الذي دمر القيم السودانية لعقود، قبل أن يكونوا “ثواراً” أو “مناضلين”. خرجوا من وطن أكلته الحروب والفساد والظلم على يد بني وطنهم، ثم قرروا أن يجعلوا من الإمارات شماعة يخفون بها جراحهم، وأن يرموا بالحجارة من داخل بيوت من الزجاج. وهنا تنطبق عليهم الحكمة القديمة: إن كان منزلك من زجاج فلا ترمِ غيرك بالحجارة.

الحقيقة التي لا يريدون سماعها هي أن السودان لم يقتله الأجنبي، بل قتله الاستبداد الداخلي وجرائم الإسلامويين وفساد النخبة وتآمر الانقلابيين، وأن الخراب الذي ينوحون عليه اليوم لم تصنعه الإمارات، بل صنعه أولئك الذين يتسترون عليهم أو يتقاطعون معهم أو يخدمون خطابهم.

يحاول هؤلاء خلق “عدو خارجي” للهروب من مواجهة النفس. ولكن أي نفس يريدون تزويرها؟ السوداني اليوم يعرف من هو قاتله الحقيقي، ومن نهب أرضه، ومن أشعل الحرب، ومن سرق الثروة، ومن باع المشاريع القومية، ومن قام بعمليات التطهير الإثني، ومن أزهق الأرواح باسم الدين والوطن. كل ذلك موثق، وكل ذلك معروف، وكل ذلك سوداني بأمر وسوداني بتنفيذ وسوداني بيدي.

لذلك فإن من يهاجمون الإمارات اليوم ليسوا ممثلي السودان، بل ممثلي الخراب الذي عاش فيه السودان. لا يمثلون قيم السودانيين، بل يمثلون الانهيار الأخلاقي الذي أنتجته 30 سنة من التمكين، والانفلات القيمي الذي حول الشتيمة والكذب إلى أدوات نضال مزيف.

السودان الحقيقي  السودان الذي ينهض رغم جراحه  يعرف من ساعده ومن خذله، ويعرف من دمره ومن وقف معه، ويعرف أن الإمارات لم تكن يوماً جزءاً من كارثة وطنه، بل كانت سنداً لأهله. أما أولئك الذين يختبئون خلف لافتات مزيفة بينما تدور الحقيقة حولهم كالسوط، فسيظل التاريخ يطاردهم بالسؤال الذي لا يريدون سماعه: إن كان الخراب سودانياً خالصاً، فلماذا تبحثون عن عدو خارجي؟

هذا السؤال وحده كافٍ لإسكات كل ضجيجهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!