رأي

الرباعية الدولية ومحاولة إنقاذ السودان من حافة الانهيار

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

تبدو اللحظة السودانية الراهنة وكأنها فصل بالغ الحساسية في كتابٍ طويل من الأزمات التي لم تمنح البلاد فرصة لالتقاط أنفاسها منذ عقود. غير أنّ التسريبات الأخيرة المنسوبة للرباعية الدولية، والتي كشف عنها الدكتور مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، تشير إلى محاولة جادة لكسر الدائرة الجهنمية التي تدور فيها البلاد، والانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة. هذه المقررات – إن صحّت – لا تشبه المبادرات العابرة التي اعتادتها الساحة السودانية، بل تقترب من رؤية استراتيجية تتعامل مع جذور الأزمة، وتضع السودان أمام منعطف حاسم قد يكون الأخير قبل الانهيار الكامل.

فالرباعية تنطلق من مبدأ أن وقف إطلاق النار ليس غاية، بل شرط مبدئي لإعادة بناء الدولة، ولذلك تقترح هدنة شاملة لمدة ثلاثة أشهر، مع آلية مراقبة دولية صارمة تكفل الالتزام بها وتحدّ من قدرة أي طرف على استثمار الحرب اقتصادياً أو سياسياً. ويتجاوز المقترح مجرد إسكات البنادق، إذ يشترط إخراج كل القوات العسكرية من المدن، وتجريدها من الأسلحة الثقيلة، وإيقاف أنشطتها التجارية التي تحولت إلى واحدة من أكبر مصادر الفساد والتشوه الاقتصادي. كما تُلزم الأطراف بفتح الممرات الإنسانية وتوفير حماية كاملة للمدنيين، وهو بند يكتسب أهمية قصوى بعد أن تحولت مناطق النزاع إلى مساحات مفتوحة للسلب والتجويع والنزوح القسري.

وفي قلب هذه الرؤية تقف الفكرة الأكثر حساسية: إعادة الاعتبار للمدنيين وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي، من خلال تشكيل حكومة مدنية من رموز وقيادات ثورة ديسمبر الذين تولوا إدارة المرحلة الانتقالية السابقة. وهذا الاقتراح، وإن كان مثيراً للجدل، يعكس قناعة دولية بأن غياب القيادة المدنية كان أحد أعمدة الأزمة الحالية، وأن الدولة لا يمكن أن تدار بمنطق الأمن وحده. فالخبرة السودانية تثبت أن السلطة العسكرية – مهما بدت متماسكة – تفتقر إلى أدوات إدارة دولة حديثة، وتنجح فقط في إدارة الأزمات لا في تجاوزها. وكأن الرباعية تقول بوضوح إن السودان لن ينهض ما لم تستعد السياسة دورها الطبيعي وتستعيد الدولة مؤسساتها المخطوفة.

أما الخطة الممتدة لتسعة أشهر، فتبدو كأنها صدمة إصلاح ضرورية، تقوم على “التجريف الفوري” لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية من عناصر النظام السابق، وهي خطوة لا تخلو من تعقيدات وخصومات وتقاطعات مصالح، لكنها في جوهرها اعتراف بأن الدولة المخترقة لا يمكن إصلاحها عبر الترميم، بل تحتاج إلى إعادة تأسيس. وتتضمن الخطة استيعاب شباب ثورة ديسمبر لسد الفراغ في المؤسسات، وإنشاء جيش وطني موحد يعبر عن كل السودانيين، إلى جانب جهاز أمن وشرطة يقومان على المهنية لا الولاء. هذه النقاط تمثل محاولة لطي صفحة الدولة العميقة التي ظلت تحكم من وراء الستار، وتعيد إنتاج نفسها عبر أي سلطة جديدة.

ويتصل بذلك الجانب الاقتصادي من الخطة، والذي يبدو أنه لم يُصَغ بمعزل عن الإدراك بأن السياسة في السودان أصبحت رهينة الانهيار الاقتصادي. فتعهد الرباعية بإعفاء الديون الخارجية وفتح المجال أمام الاستثمارات الأمريكية في الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والطاقة البديلة ليس مجرد دعم مالي، بل محاولة لربط السودان بمنظومة اقتصادية تستطيع إخراجه من دائرة الحرب. فالدولة التي تنهكها المجاعة، ويعجز اقتصادها عن توفير الأساسيات، لا تستطيع أن تبني سلاماً ولا أن تفرض هيبة على مؤسساتها. ولذلك فإن البعد الاقتصادي في الخطة لا يقل أهمية عن البعد السياسي أو الأمني.

ورغم وضوح الرؤية فإن السؤال المركزي يبقى: هل يستطيع السودان تنفيذ هذه البنود في ظل التعقيدات الداخلية والتحالفات المتشابكة؟ فسلطة بورتسودان – بحسب ما ورد في التسريبات – تخضع لتأثيرات مباشرة من جماعة الإخوان المسلمين، وتبدو مواقف قيادتها العسكرية متناقضة حسب مقتضيات اللحظة، لا حسب رؤية واضحة. أما مصر، فهي طرف لا يمكن تجاهله، إذ ترى في بقاء الجيش في السلطة ضماناً لمصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في ملف النيل والحدود والامتيازات الممتدة لعقود. وهذا يجعل أي تغيير جوهري في معادلة السلطة أمراً محفوفاً بتوازنات إقليمية معقدة.

ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة قد تكون الفرصة الأخيرة لوقف الانهيار. فالحرب وصلت إلى مستوى يجعل استمرارها أكثر كلفة من أي تنازل، وكل الأطراف – مهما بدا خطابها صلباً – تدرك في قرارة نفسها أن النصر لم يعد ممكناً، وأن الهزيمة باتت مشتركة. وهذه الحقيقة وحدها قد تفتح الباب أمام خطوة دولية أكثر جرأة، تفرض على الجميع الاحتكام إلى العملية السياسية، لا إلى منطق القوة.

إن الرباعية الدولية، عبر هذه المقررات، لا تقدم مجرد تسوية، بل محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة. والنجاح في تطبيق هذه الرؤية سيعتمد في المقام الأول على استعداد القوى السودانية للتخلي عن أوهام السيطرة، والقبول بأن المستقبل لا يصنعه المنتصرون في الحرب، بل صانعو السلام. وفي حال تعثر ذلك، فإن السودان قد يجد نفسه أمام سيناريو أسوأ، تتبعثر فيه الخريطة نفسها، لا السلطة وحدها.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يملك السودانيون – بدعم دولي – القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع؟ أم تبقى مجرد وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المبادرات الميتة؟ الجواب تحدده الأيام المقبلة، لكن المؤكد أن البلاد تقف اليوم عند مفترق طرق مصيري، وأن إضاعة هذه الفرصة قد تجعل العودة إلى الدولة أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!