

في لحظةٍ من الشرود الجماعي، حين بدا أن اللغة في السودان تفقد معناها، وأن الشارع صار أكثر بلاغة من كل بيانات السلطة، يعود إلى الذاكرة فيلسوف روسي هادئ، نحيل الجسد، لكن كثيف الرؤية. اسمه ميخائيل باختين. لم يحمل سلاحًا، لم يتحدث عن الانقلابات، لكنه قضى عمره في تأمّل أخطر ما نملك: الكلمة حين تُقال، ومَن يحق له أن يقولها.
باختين لم يكن ناقدًا أدبيًا عابرًا، بل مفكّرًا حفَر عميقًا في سؤال السلطة من مدخل غير مألوف: من يتحكم في السرد؟ ومن يُمنع من الحكي؟
وإذا كانت السياسة في السودان قد دُرست طويلًا من زوايا الاستعمار، الاقتصاد، والجيش، فإن باختين يمنحنا أداة أخرى: السياسة بوصفها معركة أصوات، واللغة بوصفها ساحة قمع وتحرر في آن.
في مفهومه عن “الحوارية”، يرى باختين أن اللغة ليست ملكًا خاصًا، ولا يمكن لكلمة أن تولد من فمٍ معزول. كل خطاب هو استدعاء لخطابات أخرى، كل جملة تردّ على جملة سابقة، وتُمهّد لأخرى لاحقة. العالم، بهذا المعنى، ليس أحاديًا، بل متعدد الصوت، متداخل المعنى، مفتوح التأويل.
فكيف نقرأ إذًا ثورة ديسمبر من هذه الزاوية؟
كانت ديسمبر لحظةً انفجرت فيها اللغة الرسمية، وانهار الخطاب الأحادي. خرجت الحناجر من ضيق الشعارات إلى اتساع النشيد المفتوح، وكأن الشارع السوداني — أخيرًا — اخترق جدار اللغة المفروضة، وأعاد تعريف نفسه.
لكنه، كما في رؤية باختين، ما لبث أن وُوجه بسلطة جديدة تحاول أن تُعيد صياغة الصوت الجماعي في خطاب واحد، مفاوض واحد، وثيقة واحدة.
يتحدث باختين أيضًا عن مفهوم “التعدديّة الصوتية”، وهو المفهوم الذي جعل منه أول من أدرك أن الرواية العظيمة — كأعمال دوستويفسكي — ليست سردًا واحدًا، بل جوقة من الشخصيات المتساوية في الوعي والحق في الوجود. لا صوت يعلو على الآخر، ولا مؤلف يُلقّن قارئه ما ينبغي أن يفهمه.
هل يمكننا أن نقول إن السودان، بعد الثورة، تحوّل إلى رواية رديئة؟
رواية لا تعدد فيها، بل مؤلفٌ متغوّل، يعيد إنتاج البطولة في صورة “قائد”، “حركة”، أو “مجلس”، ويقصي باقي الأصوات التي كتبت ديسمبر بدمها؟
لجان المقاومة، نساء الأحياء، المهمشون الذين فتحوا الطريق بأجسادهم، لم يعودوا في الرواية الرسمية. باختين كان سيسمي ذلك: هيمنة الصوت الواحد في فضاءٍ كان يجب أن يظل مفتوحًا.
ثمّة مفهومٌ آخر لا يقل أهمية: الكرنفال.
في كتابه عن رابليه، رأى باختين أن الكرنفال لحظة يُقلب فيها النظام، فيسخر الهامش من المركز، ويضحك الشعب من الملك، ويخرج الجسد من القمع إلى الرقص، ومن الطاعة إلى السخرية.
أليست ديسمبر نفسها كرنفالًا مقلوبًا؟
لحظة انفجرت فيها السخرية، وذابت الفواصل بين الحاكم والمحكوم؟
كانت الشعارات نكاتًا، والهتافات مسرحًا، والموت نفسه — في حضرة الثورة — طقسًا جسورًا يعري الخوف من الخوف.
لكن الكرنفال لم يكتمل، لأن السلطة استعادت جديّتها الكاذبة سريعًا، واستدعت جنرالاتها، ووقّعت صفقات “المدنيين الجدد”، وكتبت دستورًا من حجر.
كان باختين، لو عاش بيننا، سيكتب عن اللغة التي تعذّب، واللغة التي تُحرّر.
سيكتب عن لجان المقاومة بوصفها شكلًا من “السرد التشاركي”، وعن الحركات المسلحة بوصفها محاولة لمصادرة الأصوات عبر “اتفاق الصوت الواحد”، وعن الوثائق السياسية كأفعال سردية تُقصي وتموّه وتُحاكي الحقيقة أكثر مما تُنتجها.
كان سيقول لنا:
“الثورة التي لا تُدافع عن لغتها، تُسرَق من فمها.”
و”السلطة التي تخشى التعدّد، تُداري هشاشتها بالصوت العالي.”
في النهاية، ليس باختين درسًا في النقد الأدبي، بل مرآة سياسية للواقع السوداني.
بلادنا، التي لا تزال تبحث عن صوتها، وعن من يروي قصتها دون وصاية، بحاجة إلى فكر يرى اللغة فعلًا، والقول ساحةً للمقاومة.
ديسمبر ليست جملة انتهت، بل رواية مقطوعة الصوت.
وما لم نُعِد لتلك الرواية أصواتها الأصليّة، ونعترف بمن خُرِسوا، فإنّ ما نعيشه ليس سوى مونولوج سلطوي جديد بلغة مختلفة.
فليكن صوتنا باختينيًا إذًا:
متعددًا، مقاومًا، لا يخاف الفوضى، ولا يثق في الوضوح الزائف.




