
مؤيد الأمين
تشويه الوعي، وجرائم الإسلامويين في تدمير المعنى الحقيقي للديمقراطية
في كل مرة يُطرح فيها السؤال: لماذا تتعثر الديمقراطية في السودان؟ يعلو صوت الإجابات السطحية: الشعب غير جاهز، الثقافة لا تحتمل التعدد، المجتمع لا يعرف قيمة الديمقراطية. لكن الإجابة الحقيقية أكثر مرارة، وأكثر تعقيدًا، وأكثر ارتباطًا بجذور تمتد لعقود من التجهيل المنهجي الذي مارسه نظام الإسلامويين، حتى صار السودان يعيش أزمة هوية سياسية عميقة: شعب يتوق للديمقراطية، لكنه تربى في حضن الدكتاتورية.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وليست شعارًا يُرفع في الساحات، ولا هي أغنية تُردد في مواسم الانتقال السياسي. الديمقراطية هي ثقافة، وسلوك يومي، وطريقة تفكير، وتراكم طويل من احترام الآخر، وحق الاختلاف، والإيمان بأن السياسة ليست حربًا مقدسة، بل وسيلة لإدارة التنوع. والمشكلة الأساسية ليست في أن الشعب “غير ديمقراطي”، بل في أن الأنظمة—وخاصة النظام الكيزاني—عملت عمدًا على قتل أي بذرة تفكير حر، وعلى تكريس الطاعة العمياء، ومنهج “السمع والطاعة”، واعتبار التعدد خيانة، والنقد كفرًا، والمعارضة تهديدًا.
أولًا: جذور السؤال… هل الشعوب تولد ديمقراطية؟
لا يوجد شعب يولد ديمقراطيًا وآخر يولد مستبدًا، فالديمقراطية ليست جينات وراثية، بل عملية تَعلّم طويلة. الشعوب تُصنع بالبيئة التي تُربّى فيها، بالمدرسة، بالإعلام، بالخطاب الديني، وبالمؤسسات التي تحكمها. لذلك، من غير المنطقي مطالبة مجتمع عاش نصف قرن تحت سلطة الشموليات أن يتصرّف كأنه عاش في بيئة سياسية صحية.
في السودان، منذ انقلاب 1989، عاش المجتمع تحت مشروع متكامل يهدف إلى تفريغ الديمقراطية من معناها، وتحويل السياسة إلى معركة دينية، والمنافسة السياسية إلى “جهاد”، والأحزاب الأخرى إلى “طابور خامس”. ولأن الديمقراطية تستند إلى التعددية، عمل الإسلامويون على قمع التعددية وتحويلها إلى تهديد وجودي.
بهذا المعنى، السؤال الحقيقي ليس “لماذا الشعب غير ديمقراطي؟” بقدر ما هو:
كيف يمكن لشعب أُخضع لخمس وثلاثين سنة من الدكتاتورية الفكرية والسياسية أن يمارس الديمقراطية دون إعادة بناء كاملة لوعيه السياسي؟
ثانيًا: الكيزان… مشروع تجهيل لا مشروع حكم
لم يكن مشروع الإسلامويين مشروع دولة، بل مشروع تنظيم.
وكان التنظيم أهم من الوطن، والفكرة أهم من المواطن، والبقاء في السلطة أهم من استقرار البلد.
ولذلك عمدوا إلى ثلاث عمليات مركزية حطمت أساس الوعي السياسي في السودان:
1. تدمير التعليم وقتل التفكير الحر
غيروا المناهج، ضربوا البحث العلمي، شجعوا التلقين بدل النقد، ونقلوا الثقافة من مساحات التفكير إلى مساحات الشعارات.
خلقوا جيلًا يردد ولا يفكر، جيلًا يتعلم ليطيع، لا ليُحلل.
فالديمقراطية تحتاج عقولًا تفهم السؤال قبل أن تستقبل الإجابة، ومواطنًا يسأل “لماذا؟” لا مواطنًا يكتفي بعبارة: “هكذا قالوا”.
2. احتكار الدين، وتكفير السياسة
هذه كانت أخطر خطوة.
حولوا الدين إلى سلاح سياسي، وأصبحت الديمقراطية بالنسبة لهم “غربية”، “مستوردة”، “علمانية”، “تخالف الشريعة”، رغم أن الشورى الإسلامية نفسها قائمة على النقاش والاختلاف وتعدد الرأي.
ولأن المواطن السوداني بطبيعته متدين، كانت عملية ربط الديمقراطية بالكفر كافية لتشويه المعنى كاملاً.
فصار الدفاع عن الحرية يُقدَّم كعداء للدين، وصار الرفض السياسي يُقدَّم كرفض للعقيدة، وصارت السلطة الإخوانية تقدم نفسها كالممثل الحصري لله، ومن خالفها فقد خالف الدين.
3. قتل الأحزاب المستنيرة وتجفيف الحياة السياسية
لم يكتفِ الإسلامويون بإلغاء الأحزاب أو بقمعها، بل سعوا لإعادة صياغة المشهد السياسي كليًا.
قُتل قادة سياسيون، سُجن آخرون، نُفي كثيرون، ومن بقي تمت محاصرته اجتماعيًا وإعلاميًا.
كما تم زرع الانقسامات داخل الأحزاب نفسها، وتشويه رموز الحداثة، وتقديم المثقفين على أنهم “نخبة فاسدة” أو “خونة” أو “عملاء”.
بهذا تم تفريغ الساحة من القوى القادرة على توعية المجتمع بالديمقراطية.
ثالثًا: كيف أصبح المجتمع انعكاسًا لسنوات من القمع؟
حين يُربّى الفرد في بيئة قمعية، طبيعي أن يصبح ممارسًا للقمع نفسه دون أن يشعر.
وهذا ما حدث في السودان:
الأب يفرض رأيه على أبنائه لأن الدولة فعلت ذلك به.
المدرس يصرخ في وجه التلاميذ لأنه تعلم أن الطاعة هي أساس النجاح.
الموظف يخاف من رئيسه لأنه اعتاد أن السلطة لا تُناقش.
المواطن يكره الحزب المخالف لأنه تربى على أن السياسة خنادق لا منابر.
الناس تعتبر الاختلاف تهديدًا لا ظاهرة صحية.
كل هذه السلوكيات ليست جزءًا من “الطبع السوداني”، بل هي آثار بيئة سياسية اختنقت فيها الحرية.
الديمقراطية ليست انتخابات، بل هي أن يتعلم المواطن أن كلمة “لا” ليست جريمة، وأن الاختلاف ليس عيبًا، وأن المعارضة ليست خيانة.
لكن الإسلامويين حرصوا على أن تبقى هذه المفاهيم غائبة.
رابعًا: تشويه الديمقراطية… من صناديق الاقتراع إلى صناديق الجثث
كل مرة وصل فيها السودان إلى لحظة انتقال ديمقراطي، كان المجتمع مرهقًا، غير جاهز، غير محصن من الخطاب الشعبوي.
في زمن الكيزان، جرى تقديم الديمقراطية على أنها:
فوضى
انحلال
خطر على الدين
مؤامرة غربية
تهديد للقيم
وبالمقابل، قُدمت الدكتاتورية على أنها:
أمن
استقرار
“نظام”
حكم الشريعة
وبهذا تحول الوعي السياسي الشعبي إلى ساحة معركة بين “الديمقراطية الكافرة” و“الدكتاتورية المؤمنة”، وهي معادلة زائفة أسس لها الإخوان عن عمد، وأعادت إنتاجها أجيال كاملة من الناس الذين تربوا على هذه المفاهيم.
خامسًا: لماذا لم يُعد السودان إنتاج نخبة ديمقراطية؟
لأن الإسلامويين قتلوا المساحات التي تنتجها:
الجامعات تحولت إلى ميادين عنف، لا منابر فكر.
الاتحادات الطلابية صارت أدوات تجنيد.
الإعلام صار بوقًا للدعاية.
منظمات المجتمع المدني أُغلقت أو صودرت.
تمت شيطنة كل من يطرح أفكارًا جديدة، وأصبح المثقف الوطني هدفًا للاغتيال المعنوي. هكذا فقد المجتمع مصدره الطبيعي لإنتاج الوعي الديمقراطي.
سادسًا: ما الحل؟ كيف تبني ديمقراطية في مجتمع تم تجهيله؟
الحلول ليست شعارات، بل مسارات طويلة، تبدأ من:
1. إعادة صياغة التعليم
لا ديمقراطية دون نقد.
ولا نقد دون تعليم يعزز التفكير لا التلقين.
السودان يحتاج لمناهج تعيد المواطن إلى قلب عملية التعلم.
2. تحرير الدين من قبضة التنظيمات
يجب أن يعود الدين ملكًا للناس، لا أداة في يد حزب.
الديمقراطية لا تعادي الدين، بل تحمي حق الجميع في فهمه.
3. دعم الأحزاب المستنيرة وبناء مجتمع سياسي واعٍ
لا يمكن لمجتمع أن ينهض دون أحزاب قوية، وبرامج واضحة، ورموز مستقلة لا تخاف النقد.
4. نشر ثقافة الحوار والاختلاف
يجب أن نفهم أن الخلاف ليس معركة، وأن المجتمع المتنوع لا يعيش إلا بالقبول المتبادل، لا بالإقصاء.
5. تفكيك إرث الكيزان نفسيًا وفكريًا
المشكلة ليست فقط في وجودهم السياسي، بل في الأثر العميق الذي تركوه في المجتمع: الخوف، والشك، والطاعة، وتضخيم العاطفة على العقل.
خاتمة:
الديمقراطية ليست “ترفًا”… إنها ضرورة
إن القول بأن الشعب غير ديمقراطي ليس إهانة، بل اعتراف بواقع صنعه القمع، وأنتجه تجهيل متعمد.
لكن الشعوب تتعلم، تتغير، تنضج، وتكتسب وعيها مع الزمن.
والمجتمع السوداني، رغم كل الخراب، يمتلك بذورًا عميقة للحرية: في ثقافته، في تاريخه، في ثوراته، وفي روحه التي ترفض الذل.
المطلوب اليوم ليس انتظار “شعب جاهز”، بل بناء مجتمع جاهز.
وذلك لا يتم إلا بتحرير العقول من إرث الإسلامويين، وبإعادة الاعتبار للمعرفة، وفتح باب الحرية من جديد.
فالديمقراطية لا تُهزم حين تُمنع، بل حين يتم تشويه معناها.
وهذا ما فعله الكيزان.
وما يجب على السودان اليوم أن يصححه… قبل أن يضيع المستقبل مرة أخرى.




