رأي

الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية في السودان (٣-٥)

صالح السليمي

 

إرساء نظام عدالة انتقالية ومحاسبة

 صالح السليمي

تُعدّ العدالة الانتقالية الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية راسخة. فبدونها، تبقى الجراح مفتوحة، والأرواح المثخنة بذكريات الحرب والانتهاكات عاجزة عن استعادة الثقة في الوطن والدولة. ولكي لا تتكرر المأساة السودانية، لا بد من إقامة منظومة عدالة انتقالية مستقلة، تكشف الحقائق كاملة، وتضمن محاسبة الجناة دون تسييس أو انتقام. فالعدالة ليست أداة للثأر، بل جسر للمصالحة وبداية جديدة لوطن يبحث عن نفسه بين الركام والدماء

أولاً: مفهوم العدالة الانتقالية والمحاسبة وأهميتهما

العدالة الانتقالية هي جملة الإجراءات القضائية والسياسية والاجتماعية التي تتخذها الدول الخارجة من الحروب أو الأنظمة الشمولية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتشمل المحاكمات، لجان الحقيقة والمصالحة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. أما المحاسبة فهي الجانب القضائي المباشر الذي يضمن عدم إفلات المجرمين من العقاب، وإعادة الاعتبار للضحايا. إنّ أهمية العدالة الانتقالية في السودان تنبع من حجم المأساة الممتدة — من مذابح دارفور وجبال النوبة إلى جرائم الحرب الأخيرة في الخرطوم ونيالا — وهي ليست فقط وسيلة لتوثيق الجرائم، بل أداة لإعادة الثقة في فكرة “العدالة” نفسها بعد أن شوّهتها الأنظمة العسكرية والإسلامية المتعاقبة.

ثانيًا: العدالة الانتقالية كطريق للتعافي المجتمعي

العدالة الانتقالية هي دواء جماعي لجراح أمة بأكملها. فهي تمنح الضحايا صوتًا، وتمنح الجناة فرصة للاعتراف والمساءلة، وتعيد للنسيج الاجتماعي توازنه بعد أن مزقته الكراهية والحرب. إنّ المجتمعات لا تشفى بالإنكار، بل بالمكاشفة والاعتراف. لذلك فإن العدالة الانتقالية في السودان يجب أن تقوم على مبادئ الحقيقة والإنصاف والمساءلة، لتكون أداة لبناء وجدان وطني سليم، بعيدًا عن الثأر والأحقاد. فالمحاسبة العادلة لا تعني الانتقام، بل ترسيخ ثقافة أن لا أحد فوق القانون، وأنّ الجرائم ضد الشعب لا تسقط بالتقادم. كما إنّ التعافي الحقيقي لا يمكن أن يتم في ظل الإفلات من العقاب، لأنّ كل جريمة تُغتفر دون حساب تلد جريمة أخرى. ومن ثمّ، فالعدالة الانتقالية ليست فقط لمعالجة الماضي، بل لضمان مستقبل أكثر أمنًا وإنسانية.

ثالثًا: الدروس العالمية والإقليمية

تُقدّم التجارب العالمية نماذج مهمة يمكن للسودان أن يستفيد منها في بناء نظام عدالته الانتقالية.

• في جنوب إفريقيا، كانت “لجنة الحقيقة والمصالحة” بقيادة ديزموند توتو نموذجًا في تحقيق التوازن بين كشف الحقيقة والعفو المشروط.

• في رواندا، بعد الإبادة الجماعية، نجحت محاكم “غاشاشا” المحلية في الجمع بين العدالة الشعبية والمساءلة الوطنية.

كل هذه النماذج تؤكد أن العدالة الانتقالية ليست وصفة جاهزة، بل عملية وطنية تُصاغ وفق خصوصية التجربة السودانية. فالسودان يحتاج إلى لجنة عدالة انتقالية مستقلة، تحظى بتفويض قانوني ومجتمعي واسع، وتعمل بشفافية تامة، وتضمن إشراك الضحايا في كل المراحل.

رابعًا: الدولة المدنية الديمقراطية وضمان العدالة

لا يمكن للعدالة الانتقالية أن تزدهر في ظل دولة عسكرية أو نظام تسلطي، لأنّ العدالة تحتاج إلى بيئة من الحريات، وإلى مؤسسات تخضع للمساءلة.

إنّ الدولة المدنية الديمقراطية هي الإطار الذي يضمن سيادة القانون واستقلال القضاء، ويحمي العدالة من التوظيف السياسي. وهي وحدها القادرة على تحويل المحاسبة إلى ثقافة دائمة، لا إلى حدث استثنائي. فالدولة المدنية ليست شعارًا نخبويًا، بل ضمانة لبقاء الوطن متماسكًا، ولحماية دماء أبنائه من أن تصبح مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة.

خامسًا: الدولة المدنية الديمقراطية مشروع لا غنى عنه؛

تدلّ التجارب والمشاهدات التاريخية والعصرية على أن الدولة المدنية الديمقراطية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط لبقاء الأمم وتعزيز إرادة الشعوب. وهي المشروع الوحيد القادر على انتشال السودان من دوامة الانقلابات والحروب، ووضعه على طريق العدالة والسلام الدائم.

فالعدالة الانتقالية ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛ بداية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبداية لولادة وطن جديد يتسع للجميع، لا يفرّق بين الناس على أساس العرق أو الجهة أو الولاء السياسي.

كما إنّ تأسيس دولة العدالة والمواطنة هو الردّ الحقيقي على كل المآسي التي مرّ بها السودان. فبدون محاسبة عادلة، لا مصالحة ممكنة، وبدون دولة مدنية ديمقراطية، لا مستقبل لوطنٍ يحلم أبناؤه بالحرية والكرامة والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!