
سليم محمد عبدالله
يشهد السودان لحظة فارقة لم يعد فيها ممكناً التعايش مع منظومة الحكم المركزي التي هيمنت على الدولة منذ الاستقلال، وأججت دوائر التهميش وأعادت إنتاج الصراع جيلاً بعد جيل. لقد أثبتت التجربة الطويلة أن مركزية القرار كانت بوابة الانهيار، وأن تركيز السلطة والثروة في نقطة واحدة أدى إلى شلل منهجي في بقية البلاد، وفتح المجال للأيديولوجيات المتطرفة كي تتسلل إلى مفاصل الدولة وتعيد تشكيلها وفق مصالحها الخاصة. واليوم، ومع صعود الحكومة التأسيسية، يلوح تحول نوعي يعيد تعريف الدولة السودانية من جديد على أسس المشاركة العادلة والمواطنة الحقيقية.
إن تحرير الفاشر لم يكن مجرد انتصار أمني يُضاف إلى سجل الأحداث، بل كان علامة مفصلية تُعيد ترتيب موازين السودان برمّته. لقد شكلت المدينة، لسنوات طويلة، آخر معقل لتجربة أيديولوجية منهارة اعتمدت على المليشيات كأداة للحكم بدلاً من المؤسسات، وعلى الفوضى كبديل للقانون. ومع استعادة السيطرة عليها، فقد سقطت فعلياً آخر أوراق النموذج القديم، ليبرز واقع جديد تُستعاد فيه السيادة الوطنية عبر مؤسسات مهنية لا تخضع لابتزاز السلاح أو لهيمنة جماعة تنظيرية تضع مصالحها فوق الوطن.
هذا التحول لا يقوم فقط على الحسم العسكري؛ بل يستند إلى رؤية شاملة تعتبر أن أي بناء ديمقراطي حقيقي يبدأ أولاً بتفكيك البنية التي أنتجت الفشل، ثم إقامة عقد فيدرالي يضمن المساواة في المشاركة السياسية والاقتصادية. وعليه، فإن الخيار الفيدرالي ليس مجرد نموذج إداري، بل هو إعادة توزيع للسلطة بما يضمن ألا تُختطف الدولة مرة أخرى تحت أي ذريعة. إنه انتقال من مركز يحتكر كل شيء إلى وطن يحتضن الجميع.
تدرك الحكومة التأسيسية أن استعادة ثقة المواطن في الدولة هي العمود الفقري لهذا التحول. ولذلك، يجري الآن العمل على إعادة تأهيل المؤسسات العامة، وبناء أجهزة مهنية مستقلة، وترسيخ قواعد تضمن أن تكون هذه المؤسسات ملكاً للناس لا أدوات لتمكين سياسي أو أيديولوجي. هذا المسار لا يحمل فقط ملامح إصلاح داخلي، بل يمثل الطريق الطبيعي نحو الاعتراف الدولي بالدولة الجديدة، بما تحمله من التزام معلن بالعدالة والمساءلة وسيادة القانون.
إن ما يُصاغ اليوم ليس مجرد برنامج حكومي، بل هو تعاقد وطني جديد يفتح الباب أمام مستقبل مختلف تماماً عن عقود المركزية الثقيلة التي أرهقت السودان. لقد أصبح واضحاً أن لا سبيل إلى الاستقرار دون ميثاق فيدرالي يرد الاعتبار للولايات، ويمنحها الحق الكامل في إدارة مواردها، والمشاركة الحقيقية في القرار الوطني، وتحمل مسؤولياتها دون وصاية.
وفي هذه اللحظة التحولية، يصبح دعم مشروع إعادة التأسيس واجباً وطنياً، لأن البلاد أمام فرصة تاريخية لا تتكرر. إن الفاشر اليوم ليست مدينة استعادت سيادتها فحسب، بل رمز لبداية عهد سياسي يقطع مع المركزية الفاشلة ويؤسس لجمهورية جديدة تقوم على العدالة والحرية والمساواة. وما بين الانهيار الذي تركته المركزية، والأفق الذي تفتحه الفيدرالية، يقف السودان أمام خيار لا رجعة عنه: بناء دولة تُصنع من إرادة الناس، لا من إرث القوة والأيديولوجيا.




