
ابو عبدالله الراشدي
تمر البلاد بمنعطف حاسم يتقاطع فيه طريقان متناقضان لا يجتمعان: طريق يسعى لقيام دولة راشدة تحترم المؤسسات الدولية وتبني علاقتها مع المجتمع الدولي على الوضوح والمسؤولية، وطريق آخر لا يزال غارقًا في عقلية التمكين والهيمنة الأيديولوجية، يدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى والدمار لاستعادة قبضة فقدها تحت ضغط الشعوب السودانية. وبين هذين الطريقين تتضح معالم مشروعين مختلفين في جوهرهما: مشروع ينهض على حماية المدنيين، ومشروع لا يرى في المدنيين إلا وقودًا لحرب جديدة.
يقول: من رام أن يحكم أمة فليبدأ بحماية دمائها قبل أن يفكر في اتساع سلطانه.
وتبرز حكومة تأسيس اليوم باعتبارها الطرف الذي يضع حماية الأرواح فوق كل الحسابات؛ إذ تعمل على بناء علاقة جدية مع المؤسسات الدولية، وتعطي الأولوية لتوفير المعلومات الميدانية الصحيحة، وتفتح أبواب المناطق الخاضعة لإدارتها أمام لجان التقصي، إيمانًا بأن الحقيقة لا تخاف أن تُرى. فالموقف الذي تتبناه حكومة تأسيس ليس مجاملة سياسية، بل تعبير عن إرادة واعية ترى أن التعاون الدولي باب لإنقاذ المدنيين، وأن احترام القانون الدولي هو الأساس لأي دولة تسعى للسلام الدائم.
على الجانب الآخر، تقف سلطة بورتسودان المختطفة من قبل تنظيم أيديولوجي لا يزال يصر على إعادة فرض مشروعه القمعي القديم. هذا التنظيم، الذي أحكم قبضته لسنوات على مؤسسات الجيش والشرطة والأمن والخدمة المدنية، أفقدها قوميتها ومهنيتها، وحوّلها إلى أدوات لتمكين مشروعه السياسي الضيق. وعندما خرجت الشعوب السودانية ترفض هذا النهج وتطالب بدولة حقيقية، أشعل التنظيم حربًا شاملة في محاولة للعودة إلى السلطة بالقوة، متجاهلًا الثمن الباهظ الذي دفعه المدنيون.
لقد اتضح خلال هذه الحرب أن هذا التنظيم لا يقبل بأي مساءلة أو رقابة. فهو الطرف الذي يرفض استقبال اللجان الدولية، ويغلق المناطق أمام التحقيقات، ويعتمد على روايات إعلامية مشوهة هدفها تضليل الرأي العام. وبذلك يكشف عن خوف عميق من ظهور الحقائق. بينما تقول الحكمة: من خاف العدل كره الشهود، ومن أحب الحق دعا الناس إلى بابه.
وهذا ما يوضح الفارق الجوهري بين مشروعين: مشروع يقبل الشفافية، ومشروع يخشاها.
تؤكد حكومة تأسيس في كل موقف أنها ماضية نحو إعادة بناء الثقة بين الدولة والشعب. فهي تتحدث عن استعادة الخدمات، وفتح الطرق، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة تشغيل المرافق الطبية، وإزالة الألغام بجهود هندسية متواصلة. كما أعلنت صراحة استعدادها لأي لجنة دولية ترغب في التحقق من الأوضاع، وتعتبر أن كشف الحقائق هو الطريق إلى طيّ صفحة الحرب.
في المقابل، ما تزال سلطة بورتسودان غارقة في خطاب يؤجج الصراع، وتدفع نحو عسكرة المجتمع، وتُصر على تحويل الحرب إلى مشروع طويل الأمد يضمن عودة التنظيم إلى السلطة بأي ثمن. وتتماهى سلوكياتها مع حكمة جرى ذكرها قديمًا: لا تُقاس الأمم بعدد جنودها، بل بقدر ما يحفظ جنودها كرامة الناس.
وما يجري اليوم يبرهن أن الجهة المتشبثة بالحرب لا تملك مشروع دولة، بل مشروع هيمنة يختزل الوطن في فئة واحدة.
إن الموقف الرشيد الذي تتبناه حكومة تأسيس ليس مجرد إعلان سياسي، بل هو جزء من رؤية تهدف إلى بناء واقع جديد: دولة مؤسسات لا دولة مليشيات، دولة قانون لا دولة تمكين، دولة تحترم البشرية لا دولة تتعامل مع المواطن كأداة. وتزداد أهمية هذا الموقف في ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها الملايين؛ إذ لا مستقبل لحرب كهذه، ولا طائل من صراع يحصد الأبرياء ويهدم المدن ويقوّض ما تبقى من بنية الوطن.
وتقول حكمة أخرى: سلام لا يحمي الضعفاء هو حرب مؤجلة.
ومن هذا المنطلق، فإن المسار الذي تمضي فيه حكومة تأسيس يهدف إلى تأسيس سلام يقوم على حماية الناس، لا على تقاسم النفوذ. سلام يقطع الطريق على مشاريع العنف، ويفكك البنى التي غذّت الحرب، ويعيد للبلاد قدرتها على الوقوف من جديد.
ختامًا، يتضح أن البلاد أمام مفترق تاريخي: إما أن تنتصر لإرادة بناء الدولة الراشدة التي تحترم المؤسسات الدولية وتسعى لحماية المدنيين، وإما أن تبقى رهينة تنظيم أشعل الحرب ليستعيد السلطة من فوق جماجم شعبه. وهي لحظة فاصلة ستحدد مستقبل أمة بأكملها، وتُظهر في النهاية أن الطريق إلى السلام يبدأ بالصدق، ويستمر بالشجاعة، وينتهي ببناء دولة تستحقها الشعوب السودانية.




