رأي

مشروع الحرب المستدامة… كيف قاد البرهان والإخوان السودان إلى الهاوية؟

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

لم يكن اندلاع الحرب مجرد حدث طارئ أو خطأ في الحسابات السياسية، بل كان حصيلة مسار طويل من صناعة الأزمات وفتح الأبواب أمام مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل الدولة وفق رؤية أحادية لا تعبأ بثمن الدماء. في قلب هذا المشروع يقف البرهان ومعه جماعات الإخوان المسلمين، باعتبارهما الطرفين الأكثر إصرارًا على تغذية الصراع ورفض أي إمكانية لسلام حقيقي. فالحرب بالنسبة لهما ليست كارثة وطنية بل أداة لاستعادة الهيمنة التي سقطت من بين أيديهم ذات يوم تحت ضغط الشارع.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن قيادة المؤسسة العسكرية تسعى إلى كسب الوقت عبر توسيع رقعة المواجهات وخلق واقع عسكري جديد يتيح لها إعادة ترتيب المشهد السياسي من موقع القوة. ومع كل نداء لوقف القتال كانت تصل إشارات مضادة تُظهر رغبة معلنة في استمرار الحرب، وكأن الدم السوداني مجرد ورقة تفاوضية تُستخدم لتقوية مواقع داخلية تآكلت بفعل الرفض الشعبي والعزلة الإقليمية.

أما جماعات الإخوان المسلمين، فوجدت في الحرب فرصة ذهبية لإعادة تدوير مشروعها القديم. هذه الجماعات التي لفظها الشارع بسبب إرث طويل من الفساد والاستبداد، حاولت أن تظهر من جديد تحت عباءة الجيش، محوّلة الصراع إلى معركة وجود، تحشد لها خطابًا يقوم على التخويف والتعبئة الأيديولوجية، وتبريرات تُسقط المسؤولية عنهم وتحمل البلاد نحو مزيد من الانهيار. لقد لعبت هذه الجماعات دورًا محوريًا في دفع القيادة العسكرية نحو خيارات صفرية، وعرقلة المبادرات التي كان يمكن أن تنقذ ما تبقى من الدولة.

ومع استمرار هذا التحالف، اتسعت دائرة الخراب. المدن التي كانت تنبض بالحياة تحولت إلى ركام، والمناطق الآمنة صارت مسرحًا للنهب والاعتداءات، فيما يعيش الملايين على وقع الخوف والجوع والتهجير. كل ذلك لم يدفع البرهان إلى التراجع، بل على العكس، استمر في تصوير الحرب كضرورة وجودية، وكأن الدولة لا يمكن أن تنهض إلا فوق ركامها، أو أن السلطة لا تُستعاد إلا عبر الدبابات.

لقد ظهر بوضوح أن قيادة الجيش لم تستجب لأي دعوة للحوار إلا تحت ضغط دولي، وحتى في تلك اللحظات كانت تصنع عوائق تكفل فشل المسارات المطروحة. لا هدنة صمدت، ولا اتفاق تم احترامه، ولا مبادرة نالت القبول الحقيقي من جانبها. والسبب واضح: السلام يُهدد نفوذًا استعادته هذه القوى عبر الحرب، وهو نفوذ لا يمكن الحفاظ عليه إلا بإطالة أمد النزاع.

النتيجة اليوم هي أن الحرب تحولت إلى مشروع شامل يستنزف الاقتصاد، ويمزق النسيج الاجتماعي، ويقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة. ولا يمكن تجاهل أن المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن هذا الانهيار تقع أولًا على البرهان الذي اختار طريق القوة بدل الإصلاح، وعلى جماعات الإخوان المسلمين التي دفعت البلاد نحو مواجهة مفتوحة بحثًا عن عودة مفقودة.

إن وقف الحرب لن يتحقق ما لم يُواجه هذا التحالف بموقف وطني واضح يرفض عسكرة الدولة ويُعيد القرار السياسي إلى الشعب. فالسودان لا يمكن أن ينهض طالما بقيت مفاتيح السلطة في يد من يرى في العنف وسيلة للحكم، وفي الخراب فرصة للعودة. الطريق إلى السلام يبدأ من الحقيقة: ما حدث لم يكن قدرًا، بل صناعة بشرية تتحملها قوى محددة. وتلك الحقيقة هي الأساس الذي يجب أن يبنى عليه مستقبل جديد لدولة تستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!