
نجم الدين دريسة
بعضُ الرَّاحلين لا يُطفئون حضورهم بالموت… بل يتركون في الأرواح فراغاً لا يُملأ.

لم يكن الخبر عادياً، ولم يكن الفقد شبيهاً بأي فاجعة عابرة.
كان الخبر ثقيلاً كأن السماء نفسها سقطت دفعة واحدة فوق قلوب محبيه.
أن يرحل الأستاذ الصحفي الكبير يوسف سراج الدين في هذا التوقيت العصيب، وأن ترتقي معه زوجته الكريمة في حادث مروري أليم، فذلك وجع يتجاوز حدود الكلمات، ويترك في الروح ندبة لا تندمل.
يوسف سراج الدين لم يكن مجرد صحفي يكتب الأخبار، بل كان وطناً صغيراً من المواقف النبيلة، ورجلاً يشبه القيم القديمة التي أصبحت نادرة في زمن الانهيارات الكبرى.
كان صاحب قلمٍ شجاع، وصوتٍ مهني محترم، وقامة إعلامية ظلت منحازة للناس والبسطاء، ومدافعاً صلباً عن حرية الكلمة وكرامة المهنة.
لكن أكثر ما يجعل الرحيل موجعاً حد الاختناق، أن القدر اختار نهاية مأسوية لا تشبه إلا الأفلام الحزينة.
فقد هاتفتُ الأخ الحبيب الجميل الفاضل، الأخ غير الشقيق للراحل يوسف سراج الدين، والذي تربطه به علاقة استثنائية ملؤها المحبة والوفاء والقرب الإنساني العميق.
كان صوته مكسوراً وهو يحاول رواية ما حدث.
قال إن ابنته ، التي تعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، تعرضت صباح ذلك اليوم لحادث مروري أثناء ذهابها إلى عملها، وتم نقلها إلى مستشفى خليفة بأبوظبي.
وعندما وصل الخبر إلى الأستاذ يوسف، كان موجوداً في أم القيوين.
لم يتردد لحظة.
استقل سيارة أجرة برفقة زوجته، وانطلقا بسرعة نحو أبوظبي للاطمئنان على ابنة أخيهما، لكن الأقدار كانت تكتب النهاية في مكان آخر.
في الطريق، تعطلت سيارة الأجرة التي كانت تقلهما.
وفي لحظة خاطفة لا تمنح أحداً فرصة للنجاة، جاءت شاحنة مسرعة ودهست المركبة، ليرتقي يوسف سراج الدين وزوجته معاً إلى جوار ربهما، في مشهد فاجع أبكى كل من سمع تفاصيله.
أي قسوة هذه التي تجعل إنساناً يخرج مطمئناً على ابنة أخيه، ثم يعود خبراً عاجلاً وصورةً مؤلمة ونعياً دامعاً؟
أي قلب يستطيع احتمال هذا المشهد، وأطفال الراحلين ما يزالون صغاراً “زغباً” لا حول لهم ولا قوة، ينتظرون عودة أبٍ لن يعود، ودفء أمٍ اختطفها القدر في الطريق ذاته؟
لقد رحل يوسف، لكن رحيله لم يكن حدثاً عابراً داخل الوسط الصحفي السوداني.
كان سقوط نجمة كبيرة من سماء الإعلام.
فالرجل الذي شغل مواقع قيادية عديدة، وأسهم في صناعة أجيال صحفية كاملة، ظل طوال سنواته المهنية مثالاً للنبل المهني والهدوء والحكمة والنزاهة.
لم يكن صاخباً، لكنه كان مؤثراً.
ولم يكن باحثاً عن الأضواء، لكنه كان أحد الذين يصنعون الضوء في صمت.
وحين يرحل أمثال يوسف سراج الدين، لا تفقد الصحافة مجرد اسم معروف، بل تفقد جزءاً من ذاكرتها وأخلاقها وروحها القديمة.
الفاجعة لم تضرب أسرته وحدها، بل أصابت كل من عرفه، وكل من جلس معه، وكل من قرأ له، وكل من تعلم من تجربته الطويلة في بلاط صاحبة الجلالة.
وفي زمنٍ صار الموت فيه خبراً يومياً في السودان، يبقى بعض الراحلين مختلفين.
يبقى لبعض الغياب طعم المرارة الكاملة، لأنهم لم يكونوا مجرد عابرين في حياة الناس، بل كانوا جزءاً من الطمأنينة نفسها.
رحم الله يوسف سراج الدين، ورحم زوجته الكريمة، وألهم أبناءهما وأهلهما ومحبيهما الصبر والسلوان.
رحلا معاً، لكن سيرتهما ستبقى حيّة في ذاكرة المحبة، وفي قلوب الذين عرفوا معنى الوفاء والنبل والإنسانية.




