رأي

دهاء السياسة… كيف ساق محمد بن سلمان الإسلاميين إلى مربع الاعتراف؟

يعقوب التجاني .. المحامي والمستشار القانوني

 

يعقوب التجاني .. المحامي والمستشار القانوني

لم يعد خافيًا على أحد أن وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يمارس سياسةً حاذقة استطاعت أن تكشف تناقضات الإسلاميين في السودان وتضعهم أمام مواقفهم المتقلبة. فالمشهد منذ اندلاع الحرب، وما سبقها من توقيع إعلان جدة، يقدم مثالًا نادرًا على التخبّط السياسي حين رفض وزير خارجية النظام السابق الاتفاق الذي وقّعه القائد العام نفسه، في سابقة يصعب أن تجد لها نظيرًا في أي مكان بالعالم: وزير ينسف قرار رئيس دولته الذي أتى به إلى المنصب!

وتعمّق الفوضى أكثر حين خرج نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار مؤيدًا لذلك الرفض، في وقت يفترض فيه أنه بلا صلاحيات في وجود الرئيس، وفق الأسس الدستورية التي كان هو نفسه قد وضعها لتقييد نائبه السابق في الحركة الشعبية. مفارقة تكشف هشاشة منطق المواقف لدى القوى التي أشعلت الحرب أصلًا ورفضت كل مساعي إيقافها.

لكن السؤال الأهم: ما الذي غيّر المواقف اليوم؟

كيف تحوّل الهجوم على إعلان جدة إلى غناء ومديح لجهود ولي العهد محمد بن سلمان في إطار الرباعية الدولية الساعية لوقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية؟

الجواب يكمن في ما وصفه الكاتب بـ”دهاء السياسة”. فالأمير محمد بن سلمان كان واضحًا حين قال سابقًا إن “لا مكان للإسلاميين في حكم السودان مرة أخرى”. ولكن ذاكرة تلك الجماعة قصيرة، تتجاهل التصريح حين يناسبها، ثم تعود لتهلل للمساعي نفسها التي كانت تهاجمها بالأمس، حتى لو كان ذلك تمهيدًا لمشهدهم الأخير في الساحة السياسية.

المفارقة تتكرر كذلك في الخطابات والأغاني التي طالما بشّرت بأن الحرب ستحسم بالسلاح، بينما تُخفى القيادات أبناءهم في الخارج، وتُرسل البسطاء إلى المحرقة. ثم، حين تتبدل الرياح الدولية، تتحول ذات الأصوات إلى التغني بالسلام والإشادة بالرباعية.

إنها حالة سياسية تشبه — كما يصفها الكاتب — طقوس الزار، حيث يتحرك الراقص بلا وعي بما يدفعه إليه الإيقاع. فاليوم تهتف بعض القوى للإقليم والدول التي أساءت إليها بالأمس، غير مدركة أن هذا الهتاف هو في الحقيقة خطوة جديدة نحو نهايتها السياسية.

فليبكِ الوطن الحبيب،

Cry, the beloved country.

 

يعقوب التجاني

المحامي والمستشار القانوني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!