
نجم الدين دريسة
من لا يعرف قيمة العدالة لا يعرف قيمة الحياة
الانهيار المؤسسي الذي يشهده المجتمع اليوم لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتاج تراكم سنوات طويلة من سياسات جعلت النخبة الحاكمة محور السلطة والقرار، وأهملت حقوق الشعوب وكرامتها. الدولة التي كانت رمزًا للهيبة والسيادة لم تعد موجودة على أرض الواقع، فقد تلاشت مؤسساتها وتراجعت خدماتها، وأصبح المواطن يدفع أثمان انهيارها من حياته وكرامته، بينما الحقوق والحريات أضحى تجاهلها ممارسة يومية والقوانين مجرد شعارات على الورق.
الدولة التي يفترض أن تكون رادعًا للفساد وحامية للحقوق صارت أداة لترسيخ الامتيازات وإدامة الاستبداد. المواطن يدفع ضرائب وأتاوات دون مقابل، والعدالة الاجتماعية صارت شعارات جوفاء والخدمات الأساسية شبه معدومة. غياب العدالة والمساءلة حول كل مؤسسات الدولة أضعف الثقة بين الشعب والنظام، وجعل النخبة الحاكمة ترى نفسها فوق القانون، معتبرة أن الولاء للمركز أهم من الولاء للوطن أو للشعب.
تاريخيًا، كانت هناك محاولات للحفاظ على النزاهة والمؤسسية، إلا أن غياب الإرادة للإصلاح الحقيقي مهد الطريق لتسلل الفساد، وتحوّل السلطة إلى أداة للحفاظ على امتيازات فئة ضيقة. هذا الواقع أدى إلى استغلال الموارد الطبيعية، بينما ظل الشعب يعاني الحرمان والتهميش. المجتمعات الريفية كانت الأكثر تضررًا، إذ ظلت مواردها مصدراً لإثراء نخبة محدودة، فيما بقي سكان الريف خارج دائرة الخدمات الأساسية، ومعرضين للقمع عند كل محاولة للاحتجاج أو المطالبة بحقوقهم.
الحركات الاحتجاجية المسلحة التي انطلقت في المناطق المهمشة ليست مجرد تمردات بلا سبب، بل محاولات للانتصاف من عقود من الظلم والاستغلال. هذه الحركات جاءت كرد فعل طبيعي على هيمنة أقلية نخبوية، بينما استمرت النخب المركزية في الترويج لمفهوم أن الدولة محصورة في أيديهم، وأن الشعب غير مؤهل لتقرير مصيره، غير مدركة أن هذا النهج يزيد من الانقسام ويطيل أمد الصراعات.
غياب المساءلة والشفافية أضعف الدولة داخليًا وخارجيًا. النخب التي تدير الدولة ترى أن الحفاظ على سلطتها أهم من ضمان العدالة، وأن أي تحرك شعبي ينبغي كبحه بالقوة أو التلاعب بالقوانين والمؤسسات. هذا النهج أدى إلى فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، ما جعل أي جهود لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تواجه عقبات مستمرة.
الفساد المؤسسي أصبح نمط حياة، والتمييز بين المواطنين صار قاعدة ثابتة. كل محاولة لتحقيق العدالة أو الإصلاح تتم مواجهتها بتحديات هائلة من النخبة الحاكمة، التي ترى أن مصالحها الفردية أهم من مصالح الشعب. هذا الواقع جعل أي تجربة حكومية عاجزة عن تحقيق التنمية والاستقرار، بينما استمرت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في التصاعد.
إن إعادة بناء الدولة يتطلب تجاوز نموذج النخبة المسيطرة، وضمان مشاركة فعلية لجميع المواطنين، وإعادة الحقوق إلى الشعب. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالفشل، وإعادة توزيع السلطة والموارد بشكل عادل، وضمان أن العدالة ليست شعارًا بل واقعًا ملموسًا. يجب أن تتسم السياسات بالشفافية والمحاسبة، وأن تُبنى المؤسسات على أساس النزاهة والعدل لضمان الاستقرار على المدى الطويل.
الشعب يستحق نظامًا يحميه ويكفل له حقوقه، بعيدًا عن أي تمييز أو استغلال. الحركات المسلحة والمناطق المهمشة تعكس فشل الدولة النخبوية في توفير العدالة والمساواة، وهذه الحقيقة يجب أن تكون حجر الأساس لأي عملية إصلاحية مستقبلية. على الدولة أن تعيد بناء جسورها مع المجتمع، وتعيد الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وإلا فإن أي محاولة لتحقيق الاستقرار ستظل مؤقتة ولن تحقق التنمية المنشودة.
إصلاح الدولة لا يقتصر على تغيير الوجوه أو المناصب، بل يشمل إعادة هيكلة المؤسسات لضمان العدالة، وإعادة توزيع الموارد بما يحقق التنمية المستدامة، وتطبيق القوانين دون تمييز أو محاباة. هذا النهج وحده يضمن استقرار الدولة ويعيد الثقة بين الشعب والنظام، ويحول المجتمع إلى بيئة عادلة ومستقرة يمكن للجميع العيش فيها بكرامة.
في النهاية، الدروس المستفادة من انهيار الدولة النخبوية واضحة: لا يمكن للحكم أن يكون قوياً إذا لم يكن عادلاً، ولا يمكن للمؤسسات أن تصمد إذا لم تكن شفافة ومسؤولة أمام الشعب. العدالة والمساءلة هما أساس النهوض، وإعادة بناء الدولة تتطلب التزامًا حقيقيًا بإعطاء كل مواطن حقه، والاعتراف بالماضي المؤلم، والعمل على ضمان عدم تكرار الأخطاء، لضمان أن الدولة تكون خادمة لشعبها لا أداة لسيطرة فئة ضيقة على مفاصلها.




