
نبض قلم .. عادل تاج الدين جارالنبي … تكساس
“دارفور: منقذون وناجون – السياسة والحرب على الإرهاب /
Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the
War on Terror”
محمود ممداني يعيد تفكيك سردية “المنقذ والضحية” في أخطر أزمات إفريقيا.
يُعدّ الدكتور محمود ممداني أحد أهم المفكرين الأفارقة في العلوم السياسية والدراسات ما بعد الاستعمار. وُلد عام 1946 في أوغندا لأسرة من أصول آسيوية،(والد عمدة نيو يورك: زهران ممداني المنتخب حديثا). تشكّلت خبرته الفكرية عبر مسار طويل من الدراسة والعمل الأكاديمي في جامعات مرموقة مثل كولومبيا وماكيريري. وقد تميز مشروعه الفكري بقدرته على تفكيك الخطابات الغربية تجاه إفريقيا، وفضح بناء الهويات المصنّعة وصناعة “الآخر” في لحظات الصراع. وفي كتابه “دارفور: منقذون وناجون – السياسة والحرب على الإرهاب / Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror” الصادر عام 2009 وبالعربية عام 2010، يقدّم ممداني واحدة من أعمق القراءات النقدية لأزمة دارفور، مستعيدًا جذورها بعيدًا عن الرواية الأخلاقية التي اجتاحت الإعلام الغربي.
يرى ممداني أن أزمة دارفور لم تُفهم في الغرب بوصفها نتيجة تحولات طويلة من التهميش والصراعات على الموارد، بل صُوّرت كسردية أخلاقية جاهزة تقوم على ثنائية “الجلاد العربي” و“الضحية الإفريقية”، في سياق يتناغم مع خطاب “الحرب على الإرهاب” الذي قسّم العالم بعد 11 سبتمبر إلى خير وشر، منقذ ومذنب، دون النظر إلى تعقيدات الواقع. ويكشف أن هذه الصورة اختُزلت بشكل متعمد في حملات إعلامية ومنظمات ضغط، أبرزها حركة “أنقذوا دارفور” Save Darfur التي حوّلت الإقليم إلى رمز عالمي للمعاناة، مستخدمة خطابًا تعبويًا يقوم على استثارة المشاعر وتصوير إفريقيا كفضاء دائم للضحايا في حاجة إلى “منقذ غربي”.
ويمضي ممداني أعمق من السرديات الإنسانية نحو جذور الأزمة التاريخية، حيث يعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية التي أعادت تشكيل الهوية في دارفور عبر تقسيم السكان إلى “أصليين” و“وافدين”، وإعادة رسم الحواكير بما يخدم سياسات الحكم غير المباشر. هذه الهندسة الاستعمارية لم تُنشئ فقط تصنيفات جديدة، بل صاغت هوية عرقية صلبة لم تكن موجودة في السابق، إذ كانت سلطنة دارفور قبل الاستعمار فضاءً تتداخل فيه الانتماءات السياسية والدينية، بعيدًا عن فكرة الهوية العرقية المغلقة.
وبعد استقلال السودان، فشلت الدولة المركزية في تفكيك هذا الإرث الاستعماري؛ بل عمّقت سياسات التهميش الاقتصادي والسياسي مشاعر الإقصاء في دارفور. وتعقّد المشهد أكثر في الثمانينيات مع تفاقم الجفاف والتصحر، وتدفق السلاح من ليبيا وتشاد، وازدياد عسكرة المجتمع الريفي، مما جعل النزاعات على الموارد تتحول إلى مواجهات عنيفة واسعة. ومع صعود التمرد المسلح، واجهته الحكومة بردّ عنيف استعان بميليشيات محلية مثل “الجنجويد”، لتدخل دارفور مرحلة جديدة من العنف الممنهج.
يرفض ممداني بشدة الرواية الغربية التي تصف ما حدث في دارفور بأنه “إبادة عربية ضد الأفارقة”، معتبرًا أنها رواية انتقائية تُسقط واقعًا مركبًا على قالب أخلاقي ضيق، وتتناسب مع خطاب التدخل الدولي أكثر مما تتناسب مع طبيعة النزاع. فالصراع، في تقديره، نتاج تراكمات سياسية وبيئية واقتصادية، وليس تعبيرًا عن كراهية عرقية فطرية بين مجموعات عربية وأفريقية.
ويتوسع ممداني في نقده لسياسة “مسؤولية الحماية” والمحكمة الجنائية الدولية، مؤكدًا أن تدويل النزاعات في إفريقيا كثيرًا ما يتحول إلى أداة عقابية تمنح القوى الكبرى تفويضًا مفتوحًا للتدخل، بدلاً من أن تكون آلية لحماية المدنيين. ويشير إلى أن نقل الأزمة إلى فضاء السياسة الدولية أضعف إمكانية الوصول إلى حلول محلية تقوم على العدالة الانتقالية والمصالحة الاجتماعية، وبدلًا من ذلك رسّخ مناخًا من الاتهامات الأخلاقية والاستقطاب.
أثار الكتاب جدلًا واسعًا بين الأكاديميين والباحثين والنشطاء. فهناك من اعتبره عملًا فكريًا شجاعًا أعاد الأزمة إلى سياقها التاريخي الحقيقي، وفضح تسييس الخطاب الإنساني. بينما اتهمه آخرون بتعقيد القضية إلى حدّ يخفف من مسؤولية الحكومة السودانية عن الفظائع. ومع ذلك، يظل الكتاب مرجعًا لا غنى عنه في قراءة دارفور، إذ يقدّم سردًا يعيد التفكير في الهويات المصنّعة، وسياسات التهميش، وتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية في صناعة الكارثة.
وفي نهاية المطاف، يدعو ممداني القارئ إلى تجاوز ثنائية الأبيض والأسود، والابتعاد عن خطابات الإنقاذ الجاهزة التي تُعيد إنتاج صور “المنقذ” و“الضحية” دون مساءلة أو تحليل. ويقدم بدلاً عن ذلك رؤية ترى دارفور بوصفها صراعًا مركبًا لا يفهم إلا عبر تاريخه الطويل، وتفاعل قوى عديدة صنعت مأساته، مما يجعل هذا الكتاب واحدًا من أهم الأعمال التي ساهمت في إعادة تعريف كيف تُقرأ الأزمات الإفريقية وكيف يُعاد تقديمها للعالم.
دالاس/تكساس
الجمعة الجامعة 21 نوفمبر ٢٠٢٥




