
دارالسلام وداعة
كيف تتحول الوساطة إلى أزمة ثقة عندما يسبق الانحياز الحوار؟
في العمل العام وخاصة في مساحات الحرب و السلام لا يكفي أن يرفع الناس شعار الحياد؛ فالحياد ليس بطاقة تعريف ولا وصف يمنحه المرء لنفسه وإنما ممارسة تُختبر عند المنعطفات الصعبة.
وبصفتنا منظمات مجتمع مدني نعمل في مناطق سيطرت تأسيس ونساء منخرطات في مشاورات يقودها مركز الحوار الإنساني نرى أن من حقنا الكامل أن نسأل: ما هي حدود الحياد المهني داخل المؤسسات التي تدير مساحات الحوار؟ وكيف تُبنى الثقة عندما يشعر بعض المشاركين أن الانحياز يطل من خلف ستار الوساطة؟
في بداية المشاورات كانت لدينا تحفظات ولكن قدما مصلحة السلام علي مخاوفنا
و احتراماً لمساحة الحوار وإيماناً بأن السلام يحتاج إلى سعة صدر وقدرة على إدارة الاختلاف و التكيف. لكن للصمت حدوداً وهناك لحظة يصبح فيها الاستمرار فيه مساهمة في إخفاء أزمة حقيقية تتعلق بالثقة والمصداقية.
«جرادي في سروال ولا بعضّي إلا قعادو… يا شين». وهو مثل بليغ لأن بعض الأشياء يمكن إخفاؤها لبعض الوقت لكن يصعب إخفاؤها إلى الأبد.
وهنا تكمن المشكلة.
فالقضية ليست حق أحلام ناصر في امتلاك موقف سياسي؛ فهذا حق مشروع لأي إنسان.
القضية هي التناقض بين ادعاء الحياد ومتطلبات العمل داخل مؤسسة تقوم بدور الوسيط و بين مواقف وتصنيفات وخطابات تجعل كثيرين يتساءلون بجدية: أين يقف الحد الفاصل بين القناعة الشخصية والدور المهني؟
إن توصيف أطراف النزاع وإطلاق الأحكام السياسية الحادة ليس شأن بسيط داخل بيئة يفترض أنها تبني الثقة بين المختلفين.
لأن الوسيط لا يُطلب منه أن يكون بلا رأي لكنه يُطلب منه أن يعرف متى يصبح رأيه الشخصي عبئاً على دوره المهني.
والأمر الأكثر إرباكاً ليس وجود الموقف السياسي نفسه بل محاولة ارتداء عباءة الحياد مع الاستمرار في أداء دور سياسي واضح في المضمون. فالوضوح – حتى مع الاختلاف – أكثر احتراماً من الغموض( قولي أنا ادعم خط بورسودان ) وإعلان الموقف أكثر نزاهة من التنقل بين المواقع بحسب مقتضيات اللحظةو لكن ليس لاي زول/ ة أن يمتلك سلطة تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية علي خلفية التسريب من قروب منسم لأن هذا التصنيف يخضع لشروط و معايير قانونية دولية ومحلية محددة يجب أن تنطبق على الجهة قبل إطلاق هذا الوصف. ما يطرحنه الآن لا يعدو كونه أمنيات سياسية على شاكلة ما رددته المجموعة الإرهابية المتمثلة في الحركة الإخوانية من قبل.
إذا كان هناك اصطفاف سياسي فليكن واضحاً. وإذا كان هناك التزام بالحياد المهني فليكن حقياً لا انتقائياً.
أما مركز الحوار الإنساني فعليه أن يدرك أن الثقة لا تُدار بالافتراضات الحسنة وحدها. المؤسسات التي تعمل في الوساطة مسؤولة عن مراجعة أدوار العاملين فيها ومعايير الحياد وحدود تضارب المصالح لأن أي شعور بانعدام التوازن داخل بيئة التشاور لا يضعف الأفراد فقط بل يضعف العملية كلها.
ونحن كنساء وفاعلات مجتمع مدني لم ندخل هذه المسارات حاملات أجندة إقصاء أو ضيق أفق سياسي. بالعكس كنا — وما زلنا — مرنات، منفتحات ومستعدات لخوض النقاش السياسي بالحجة لا بالشيطنة. لكن الانفتاح لا يعني الصمت على ما نراه سبباً في تقويض الثقة.
نحن دعاة سلام ونقول مواقفنا علناً ونكررها في كل مساحات السلام دون مواربة أو تبديل جلد.
ولهذا نقول بوضوح: الحياد ليس ادعاء والوساطة ليست منصة لإخفاء المواقف خلف لغة مهنية منمقة. ومن يريد احترام ثقة الناس عليه أن يحترم ذكاءهم أولًا.



