رأي

العلاقات الدولية والشان الدبلوماسي وأثرهما على الوضع في السودان

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كَبَّه آدم

 

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كَبَّه آدم

يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحوّلات عميقة تُعيد تشكيل موازين القوى وبُنى التحالفات. فبروز الأقطاب الدولية المنافسة — الصين، روسيا، كوريا الشمالية، إيران، وتركيا — يقابله سعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها بوصفها القوة المهيمنة عالميًا. وفي هذا المشهد المضطرب، تظل المنطقة العربية عمومًا، ومنطقة الخليج خصوصًا، ساحة رئيسية للتجاذبات الدولية بحكم موقعها الاستراتيجي، وما تحتويه من ممرات مائية حسّاسة، إضافة إلى ثقلها الثقافي والديني، واحتياطاتها الهائلة من الطاقة.

ضمن هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها لاعبًا محوريًا يمتلك تأثيرًا متصاعدًا في الإقليم. فقد تبنّت المملكة، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى يرتكز على تحديث الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن القومي، وتنويع الشراكات الدولية من أجل ضمان الاستقرار واستباق التحديات الإقليمية. وتشمل هذه الاستراتيجية توسيع التحالفات الدفاعية، وجذب الاستثمارات الضخمة، ورفع القدرات العسكرية في ظل تمدد النفوذ الإيراني وصمود طهران في حربها المفتوحة مع إسرائيل.

وفي سياق الانفتاح السعودي الأخير على الولايات المتحدة، مثّلت الزيارة الثنائية بين الرياض وواشنطن محطة بالغة الأهمية. إذ سعت القيادة السعودية إلى إعادة ترتيب الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملف الإنساني المرتبط بانتقادات المنظمات الحقوقية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا في قضايا مثل ملف خاشقجي. وقد قدمت المملكة وعودًا باستثمارات ضخمة تتجاوز ٦٠٠ مليار دولار، تشمل مجالات الطاقة والتقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، بما ينسجم مع رؤيتها المستقبلية.

من الجانب الأميركي، نجحت إدارة ترامب في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية من هذا الانفتاح، أبرزها تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الرياض، وإبرام صفقات دفاعية متقدمة، من بينها مقاتلات F-35، رغم حساسية الموقف الإسرائيلي الرافض لحدوث أي تفوق عربي في المجال العسكري. كما استطاعت الإدارة الأميركية كبح أي توجه سعودي محتمل للانضمام إلى المحور الصيني–الروسي، وهو ما منح ترامب دعمًا إضافيًا في معركة النفوذ في الشرق الأوسط، وزاد من أهمية تأمين الممرات المائية وحماية خطوط التجارة عبر البحر الأحمر والخليج العربي.

وفي هذا الإطار الواسع، جاء الملف السوداني كأحد الملفات الإقليمية الأكثر حساسية. إذ تُدرك الإدارة الأميركية، كما تدرك المملكة، أن الأزمة السودانية ذات تأثير مباشر على الأمن الإقليمي، سواء عبر تداعياتها الأمنية، أو انعكاساتها الاقتصادية، أو ارتباطها بتوازن القوى في منطقة القرن الأفريقي. لذلك جاء تناول الملف السوداني خلال اللقاءات الثنائية باعتباره ملفًا ذا أولوية متقدمة، خصوصًا بعد اعتراف الرئيس ترامب بضعف معرفته بالتفاصيل العميقة للأزمة.

إن استجابة ترامب للانخراط المباشر في القضية السودانية يمكن اعتبارها بداية تدخل فعّال يستخدم فيه النفوذ الرئاسي للحيلولة دون انزلاق السودان نحو مزيد من الفوضى أو الانقسام، وحماية مصالح الرباعية (السعودية، الولايات المتحدة، الإمارات، ومصر). وقد ركّزت الإدارة الأميركية، إلى جانب السعودية، على البعد الإنساني للأزمة، وعلى ضرورة أحياء الجهود الدبلوماسية بعد فترة من الجمود.

وفي المقابل، تسعى الحكومة القائمة في بورتسودان إلى توظيف التحركات الدولية لصالح رؤيتها السياسية، مستخدمة الموارد والعلاقات الدبلوماسية لإعادة إنتاج السلطة، واستبعاد قوات الدعم السريع، وإجهاض مشروع “حكومة التأسيس” الذي يهدف إلى معالجة جذور الأزمة السودانية وليس مظاهرها فقط. كما تعمل بعض القوى السياسية على تقديم ترحيبها بهذه التحركات بهدف استعادة حضورها في المشهد بعد فترة من التراجع.

ومع عودة الرباعية إلى النشاط بقوة، ومحاولة السعودية إبراز دورها الإقليمي والدولي، يظل المشهد السوداني مفتوحًا على احتمالات متعددة. وسيظل السودان، بوصفه نقطة التقاء لمصالح متشابكة، ساحة اختبار لقدرة التحالفات الدولية على احتواء أزماته ومنع انزلاقه إلى السيناريوهات الأسوأ.

وسوف نتناول في المقالات القادمة تحليلات أعمق وتوقعات مستقبلية لمسار العلاقات الدولية وتأثيرها على الأزمة السودانية.

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كَبَّه آدم

نيالا – نوفمبر ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!