
سليم محمد عبدالله
في عمق المشهد السوداني المعقد، تتشابك الطبقات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية، لتشكل لوحة متحركة من الصراعات التي لا يمكن فهمها دون النظر إلى جذورها التاريخية والهيكلية. الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن مجرد مواجهة مسلحة بين أطراف متنازعة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة امتدت عبر عقود، حيث سيطر مشروع سياسي–أيديولوجي على مؤسسات الدولة، وأنشأ شبكات مصالح متداخلة تمتد في جميع مفاصل الحكم والاقتصاد، لتتحكم في القرار الوطني من خلف الستار.
بعد ثورة ديسمبر، لم تختفِ هذه الشبكات، بل انسحبت إلى الظل، وأعادت ترتيب أوراقها، لتظل حاضرًا وفاعلًا في مجريات الأحداث، مهيئة المسرح لصراعات غير معلنة على شكل الدولة ومصيرها. كانت الفترة الانتقالية مليئة بمحاولات الإصلاح، لكن هذه القوى المضادة استثمرت كل ضعف في المؤسسات لعرقلة أي تقدم، ما جعل الطريق نحو دولة مدنية ومهنية محفوفًا بالمخاطر والمناورات الخفية.
يتمثل أحد أبرز عناصر الأزمة في شبكة المصالح التي تشكلت عبر عقود، وتغلغلت في قطاعات الدولة الاقتصادية، من الموارد الطبيعية إلى العقود والامتيازات، لتصبح عماد نفوذ النظام السابق. مع سقوط هذا النظام، أصبح تفكيك هذه الشبكة أمرًا ضروريًا لاستعادة الدولة، إلا أن مقاومتها الشرسة لم تسمح بتجاوز المرحلة الانتقالية بسلاسة، بل أدت إلى بيئة سياسية مضطربة تتغذى على الصراعات الداخلية، وتعوق أي مشروع وطني حقيقي.
تتداخل هذه الشبكات مع الأبعاد الإقليمية للسودان، فموقعه الاستراتيجي من البحر الأحمر إلى عمق القرن الأفريقي جعله محط أنظار القوى الإقليمية والدولية، وهدفًا لمبادرات خارجية متعددة تسعى لإيقاف النزاع أو ضبطه. المبادرة السعودية–الأمريكية عبر مسار جدة مثّلت خطوة إيجابية في هذا الإطار، لكنها لم تكن كافية لضمان استقرار مستدام، لأن نجاح أي تدخل خارجي مرتبط بالقدرة الداخلية على تقديم مشروع سياسي واضح، ووجود إرادة وطنية قادرة على مواجهة أدوات الدولة القديمة والهيمنة التاريخية للشبكات.
وفي خضم هذه التعقيدات، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر. المدن المدمرة، الملايين من النازحين، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي يعكس حجم التحديات التي تواجه الأمة. ومع ذلك، يظل الشعب متمسكًا بروح الثورة وقيمها، مؤكّدًا أن الطريق نحو الخلاص يمر عبر بناء دولة مدنية، وجيش مهني واحد، ومؤسسات تقوم على الشفافية وسيادة القانون، لا على الولاءات أو النفوذ الخفي.
إن استعادة السودان لنظامه الطبيعي ليست مجرد مهمة سياسية، بل واجب تاريخي يفرض إعادة صياغة العقد الاجتماعي، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق المشروع الثوري الذي أطلقته ثورة ديسمبر. وبين أنقاض الحرب، يظل الأمل السوداني حيًا، يبحث عن وطن قادر على استيعاب تطلعاته وتحقيق سيادته الحقيقية، بعيدًا عن شبكة المصالح التي لطالما أعاقت مسار الدولة، وفرضت إرادتها على حاضر السودان ومستقبله.
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما مواجهة هذا الإرث التاريخي بكل أدواته، وإعادة بناء مؤسسات قوية وقادرة على الحماية والقيادة، أو الاستمرار في دوامة الصراعات التي تعيد إنتاج الفوضى والهيمنة، تاركة الشعب وحده يدفع ثمن الإخفاقات القديمة والمصالح الخفية التي ما تزال تتحكم بمصيره.




